أجزائها وانبثاث جواهرها . ( 8 : 412 )
أبو السّعود : أي في الجوّ على هيآتها بعد قلعها من مقارّها ، كما يعرب عنه قوله تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
النّمل : 88 ، أي تراها رأي العين ساكنة في أماكنها والحال أنّها تمرّ مرّ السّحاب الّذي يسيّره الرّياح سيرا حثيثا ؛ وذلك أنّ الأجرام العظام إذا تحرّكت نحوا من الأنحاء لا تكاد يتبيّن حركتها ، وإن كانت في غاية السّرعة لا سيّما من بعيد . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وقد أدمج في هذا التّشبيه تشبيه حال الجبال بحال السّحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها ، كما ينطق به قوله تعالى :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
القارعة : 5 ، يبدلّ اللّه تعالى الأرض ويغيّر هيأتها ، ويسيّر الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النّفخة الثّانية ليشاهدوها ، ثمّ يفرّقها في الهواء ، وذلك قوله تعالى :
فَكانَتْ سَراباً
أي فصارت بعد تسييرها مثل السّراب ، كقوله تعالى :
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
الواقعة : 5 ، 6 ، أي غبارا منتشرا .
وهي وإن اندكّت وانصدعت عند النّفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنّما يكونان بعد النّفخة الثّانية ، كما نطق به قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ
طه :
105 - 108 ، وقوله تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
إبراهيم :
48 ، فإنّ اتّباع الدّاعي الّذي هو إسرافيل عليه السّلام وبروز الخلق للّه تعالى لا يكون إلّا بعد النّفخة الثّانية . ( 6 : 359 )
البروسويّ : فيه إشارة إلى إزالة أنانيّة النّفوس وتعيّناتها ، فإنّها عند القيامة الكبرى الّتي هي عبارة عن الفناء في اللّه تصير سرابا ، حتّى إذا جئتها لم تجدها شيئا .
ولكن العوامّ المحجوبون إذا رأوا أهل الفناء يأكلون ممّا يأكلون منه ويشربون ممّا يشربون منه يظنّون أنّ نفوسهم باقية لبقاء نفوسهم ، لكنّهم يظنّون بهم الظّنّ السّوء ؛ إذ بينهم وبينهم بون بعيد قطعا وفاروق عظيم جدّا ، لأنّهم أزالت رياح العناية والتّوفيق جبال نفوسهم عن مقارّ أرض البشريّة ، وجعلها اللّه متلاشية ، وفتحت سماء أرواحهم فكانت أبوابا كباب السّرّ والخفيّ والأخفى ، فدخلوا من هذه الأبواب إلى مقام أو أدنى ، فكانوا مع الحقّ حيث كان الحقّ معهم .
ثمّ نزلوا من هذه الأبواب العالية الحقيقيّة النّاظرة إلى عالم الولاية ، فدخلوا في أبواب العقل والقلب والمتخيّلة والمفكّرة والحافظة والذّاكرة ، فكانوا في مقام قاب قوسين مع الخلق ، حيث كان الخلق معهم ، فلم يحتجبوا بالخلق عن الحقّ الّذي هو جانب الولاية ، ولا بالحقّ عن الخلق الّذي هو جانب النّبوّة ، فكانوا في الظّاهر مصداق قوله تعالى : ( يوحى الىّ ) فأين المحجوبون عن مقامهم ، وأنّى لهم إدراك شأنهم وحقيقة أمرهم . ( 10 : 301 )
الآلوسيّ : أي فصارت بعد تسييرها مثل سراب ، فترى بعد تفتّتها وارتفاعها في الهواء كأنّها جبال وليست بجبال بل غبار غليظ متراكم ، يرى من بعيد كأنّه جبل