تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 881

مساهمون:

ص٨٨١
الجبال وتنفصل بعضها عن بعض ، وهذه اللّطيفة مشار إليها في السّور الأخيرة من القرآن كرارا . ووقوع الآية في سياق آيات القيامة دليل وشاهد على هذا التّفسير . إلّا أنّ قرائن كثيرة في الآية تؤيّد تفسيرا آخر ، وهو أنّ هذه الآية من قبيل آيات التّوحيد ودلائل عظمة اللّه في هذه الدّنيا ، وتشير إلى حركة الأرض الّتي لا نحسّ بها . وتوضيح ذلك : 1 - إنّ الآية تقول : تحسب الجبال ساكنة وجامدة مع أنّها تمرّ مرّ السّحاب . وهذا التّعبير واضح أنّه لا ينسجم مع الحوادث الّتي تقع بين يدي القيامة ، لأنّ هذه الحوادث من الوضوح بمكان ؛ بحيث يعبّر عنها القرآن
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
الحجّ : 2 . 2 - تشبيه حركة الجبال بحركة السّحاب يتناسب مع الحركات المتناسقة الهادئة ، ولا يتناسب والانفجارات العظيمة الّتي تصطكّ منها المسامع . 3 - التّعبير الآنف الذّكر يدلّ على أنّه في الوقت الّذي ترى الجبال بحسب الظّاهر جامدة ، إلّا أنّها في الواقع تتحرّك بسرعة ، على حالتها الّتي ترى فيها جامدة ، أي أنّ الحالتين تبيّنان شيئا واحدا . 4 - والتّعبير « بالإتقان » الّذي يعني الإحكام والتّنظيم ، يتناسب واستقرار نظام العالم ، ولا يتناسب وزمان انهياره وتلاشيه . 5 - جملة
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
مع ملاحظة أنّ ( تفعلون ) فعل مضارع ، تدلّ على أنّها تتعلّق بهذه الدّنيا ، لأنّها تقول : إنّ اللّه خبير بأعمالكم الّتي تصدر في الحال والمستقبل . ولو كانت ترتبط بانتهاء العالم ، لكان ينبغي أن يقال : إنّه خبير بما فعلتم ، فتأمّلوا بدقّة . ويستفاد من مجموع هذه القرائن - بدقّة - أنّ هذه الآية تكشف عن إحدى عجائب الخلق ، وهي في الواقع تشبه ما جاء في الآيتين آنفتي الذّكر
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ
النّمل : 87 . وبناء على ذلك فالآيات محلّ البحث قسم منها في التّوحيد ، وقسم منها في المعاد . وما نستنتجه من هذا التّفسير ، هو أنّ هذه الجبال الّتي نتصوّرها ساكنة جامدة هي في سرعة مطّردة في حركتها . ومن المقطوع به أنّه لا معنى لحركة الجبال من دون حركة الأرض المتّصلة بها ، فيتّضح من الآية أنّ الأرض تتحرّك كما يمرّ السّحاب . ووفقا لحسابات علماء اليوم فإنّ سرعة حركة الأرض حول نفسها تقرب من 30 كيلومترا في كلّ دقيقة ، وسرعة سيرها في حركتها الانتقاليّة حول الشّمس أكثر من هذا المقدار . لكن علام عني بالجبال دون غيرها ؟ لعلّ ذلك إنّما هو لأنّ الجبال يضرب بها المثل لثقلها وقرارها ، وتعدّ مثلا حسنا لبيان قدرة اللّه سبحانه ؛ فحيث أنّ هذه الجبال على عظمتها وما فيها من ثقل ، تتحرّك كالسّحاب بأمر اللّه مع الأرض ، فقدرته على كلّ شيء بيّنة وثابتة . وعلى كلّ حال ، فالآية تعدّ من معاجز القرآن العلميّة ، لأنّنا نعلم أنّ أوّل العلماء الّذين اكتشفوا حركة كرة الأرض غاليلو الإيطالي وكپرنيك اللّهستاني اللّذين
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 881 | مجمع البحوث الاسلامية