تدور حول نفسها مرّة كلّ يوم ؟ ألم يكن في إعلان هذه الحقيقة ما يدخل اللّبس على قلوب المؤمنين ، فوق ما يحرّك ألسنة المشركين بالبهت والتّكذيب .
والجواب - واللّه أعلم - أنّ النّظم القرآنيّ ، قد جاء على صورة تدفع هذا الاحتمال من جانبيه جميعا .
فأوّلا : يقرّر القرآن صراحة أنّ الجبال ثابتة في مرأى العين . وهذا لا يجادل فيه أحد ، وهذا هو السّرّ في
تَحْسَبُها جامِدَةً ،
وكما يقول سبحانه :
وَالْجِبالَ أَرْساها
النّازعات : 32 ، وكما يقول جلّ شأنه :
وَالْجِبالَ أَوْتاداً
النّبأ : 7 .
وثانيا : إنّ هذه الجبال الثّابتة في مرأى العين ، هي في حقيقتها متحرّكة ، وهذه الحركة حقيقة لا تنكشف إلّا بالعلم والبحث ، لأنّها قائمة وراء هذا الظّاهر . فمن كان في استطاعته أن يبحث ويدرس ، فليفعل ، وسيجد مصداق ذلك ، ومن لم يكن عنده هذا الاستعداد ، فهو بين رجلين : مؤمن باللّه وبآياته ، مصدّق بكلّ ما نزل على الرّسول من ربّه . وهذا لا يماري في هذه الحقيقة ، ولا يشكّ فيها ، وإنّما هو مؤمن بها ، مسلّم بما تحدّث بها القرآن عنها ، ناظرا إلى اليوم الّذي يقع له من العلم ما يكشف له عن وجه هذه الحقيقة . ومشرك ، أو كافر باللّه ، فهو مكذّب بآيات اللّه كلّها ، جلّيها وخفيّها .
فلا يدخل عليه من هذه الآية إلّا ما امتلأ به قلبه من جحود وإنكار .
وقوله :
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ،
صُنْعَ اللَّهِ
منصوب على الإغراء بفعل محذوف ، تقديره :
انظر ، أو تأمّل ، أو نحو هذا .
وفي هذا دعوة إلى البحث عن هذه الحقيقة الّتي أشارت إليها الآية الكريمة من أمر الجبال ، وتحرّكها مع تحرّك الأرض في دورتها اليوميّة . فالّذين يؤمنون باللّه ، ويصدّقون بكلماته ، يستيقنون أنّ هنا حقيقة كامنة ، تشير إليها الآية الكريمة ، ولا تكشف عن وجهها ، وأنّ على المؤمن أن يطلب هذه الحقيقة ، وأن يشهد بعض جلال اللّه منها .
والمفسّرون مجمعون على أنّ ذلك الّذي تحدّث عنه الآية في شأن الجبال ، إنّما يقع يوم القيامة ، حين تتبدّل الأرض غير الأرض والسّماوات ، وكما يقول اللّه تعالى :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
النّبأ : 20 .
على أنّ الّذي حملنا على مخالفة هذا الإجماع ، هو ما جاء في
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
فإنّ ذلك التفات إلى روعة الصّنعة وإحكامها ، وهذا لا يكون واقعا في نظر الإنسان يوم القيامة وهو يرى الجبال وقد تناثرت أشلاء !
وإنّما يرى ذلك ، وهي قائمة ثابتة ، ثمّ هي في نفس الوقت متحرّكة تدور مع الأرض في دورانها دون أن تسقط وتهوى ، وفي هذا يتجلّى إحكام الصّنع وإتقانه .
وهنا سؤال أيضا وهو : إذا كان ذلك كذلك ، فلم لم تنكشف هذه الحقيقة للمسلمين الأوّلين ؟ ولم لم يطلبها الصّحابة ، ولم يكلّفوا أنفسهم البحث عنها ، وهم أعرف النّاس بكتاب اللّه ، وأقربهم من مواقع الحقّ فيه ؟
ونقول : إنّ صحابة رسول اللّه - رضوان اللّه عليهم - كان متعلّقتهم بآيات اللّه ، هو الجانب الرّوحيّ منها ، ولم يكن يعنيهم من هذا الوجود ظواهره ، وإنّما كان همّهم