ثانيا : كما يتقوّى بذلك أيضا ما كادوا أن يتّفقوا عليه من أنّ الكلمة عبريّة ، جاءت مع كلمات أخرى أسماء للملائكة المقرّبين في تلك الكتب ، ويؤيّدها اختلاف العرب في التّلفّظ بها لأنّها كانت أجنبيّة عن لغتها ، فاضطربوا في أداءها ، أو لم يهتمّوا بها جريا على سنّتهم « إنّها كلمة أعجميّة فالعب بها ما شئت » وأدّى ذلك إلى اختلاف القراءات ، كما جاءت في النّصوص . وهذا شاهد على أنّ كثيرا من القراءات نشأت من اللّهجات ، وهو الحقّ عندنا .
ثالثا : جاء جبريل في ( 1 ) منفردا تنديدا وتعنيفا لهم على عداوتهم له ، وفي ( 2 ) عقيب اللّه وملائكته ورسله ، وبعده ميكال ، وفي ( 3 ) مع اللّه وملائكته وصالح المؤمنين إعلاما بأنّ عداوة جبريل هي بمثابة عداوة اللّه ورسله وملائكته جميعا وعداوة ميكال خاصّة ، وأنّ الدّين لا يتبعّض ، فمن أنكر شيئا منه كان بمنزلة من أنكر الجميع ، كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا * أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا
النّساء : 150 ، 151 ، وقال :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
البقرة : 285 ، ونظيرها آيات أخرى ، لاحظ « ف ر ق » .
رابعا : تسمية جبريل وميكال بعد ( ملائكته ) في ( 2 ) من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ - وقد سمّاه بعضهم تجريدا ، وفيه إشعار بتقديمهما على سائر الملائكة عند اللّه ، كما أنّ تقديم جبريل على ميكال مشعر بأنّه أفضل من ميكال عند اللّه ، ويشهد به موقفه ومنصبه في سلسلة المناصب الإلهيّة ، فقد فوّض إليه أمر الوحي كما تشهد به الآيات ، وفوّض إلى ميكال أمر الأرزاق ، كما تنطق به الرّوايات ؛ والوحي أفضل وأرقى من الأرزاق ، فإنّه غذاء الأرواح ، والأرزاق غذاء الأجسام ، وبينهما بون بعيد ، فالإنسان إنسان بروحه لا بجسمه .
خامسا : جاء التّعبير عن جبريل ملك الوحي ب ( روح القدس ) :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا
النّحل : 102 ، وب ( الرّوح الأمين ) :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
الشّعراء :
193 ، فقد قسمهما اللّه بين النّبيّ والمؤمنين ، فخصّ النّبيّ ب ( الرّوح الأمين ) بصورة الصّفة ، وخصّ المؤمنين ب ( روح القدس ) بصورة الإضافة ، وب ( شديد القوى ) :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
النّجم : 5 ، وب ( رسول كريم ) وبجملة من الصّفات :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
التّكوير :
19 - 21 .
كما وصف اللّه ملائكته بقوله :
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرامٍ بَرَرَةٍ
عبس : 15 ، 16 . لاحظ « روح ، ق د س ، أم ن ، ق وي ، ك ر م ، م ل ك » وغيرها .