تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
دليلا على صدور السّهو والمعصية من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في أحداث تبوك . إلّا أنّ التّدقيق في نفس هذه الآية وسائر آيات القرآن سيرشدنا إلى عدم صحّة هذا التّفسير ، لأنّ : أوّلا : إنّ معنى توبة اللّه سبحانه : رجوعه بالرّحمة والرّعاية على عباده ، ولا يوجد في هذا المعنى أثر للزّلل أو المعصية ، كما قال في سورة النّساء : 26 ، بعد ذكر قسم من الأحكام :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
ففي هذه الآية ، والّتي قبلها لم يرد حديث عن الزّلل والمعصية ، بل الكلام - كما تصرّح به هذه الآية - عن تبيين الأحكام والإرشاد إلى سنن الماضين القيّمة المفيدة ، وهذا بنفسه يوضّح أنّ التّوبة هنا بمعنى شمول رحمة اللّه سبحانه لعباده . ثانيا : لقد ورد في كتب اللّغة أنّ أحد معاني التّوبة هو ما ذكرناه ، ففي كتاب « القاموس » المعروف ورد في أنّ هذا هو أحد معاني التّوبة ما لفظه : رجع عليه بفضله وقبوله . وثالثا : إنّ الآية تحصر الانحراف عن طريق الحقّ والتّخلّف عنه بجماعة من المؤمنين ، مع أنّها تصرّح بأنّ الرّحمة الإلهيّة تعمّ الجميع ، وهو بنفسه يبيّن أنّ توبة اللّه هنا ليست بمعنى قبول عذر العباد ، بل هي الرّحمة الإلهيّة الخاصّة الّتي أدركت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وكلّ المؤمنين بدون استثناء ، من المهاجرين والأنصار ، في اللّحظات الحسّاسة ، وثبتت أقدامهم في أمر الجهاد . ( 6 : 231 ) 5 -
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
التّوبة : 118 الحسن : جعل لهم التّوبة ليتوبوا بها ، والمخرج ليخرجوا به . ( الطّوسيّ 5 : 365 ) أما واللّه ما سفكوا من دم ، ولا أخذوا من مال ، ولا قطعوا من رحم ، ولكنّ المسلمين تسارعوا في الشّخوص مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وتخلّف هؤلاء ، وكان أحدهم تخلّف بسبب ضيعة له ، والآخر لأهله ، والآخر طلبا للرّاحة ، ثمّ ندموا وتابوا ، فقبل اللّه توبتهم . ( الطّبرسيّ 3 : 80 ) الطّوسيّ : وقوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
قيل في معناه ثلاثة أقوال : أحدها : لطف لهم في التّوبة ، كما يقال في الدّعاء : تاب اللّه عليه . الثّاني : قبل توبتهم ليتمسّكوا بها في المستقبل . الثّالث : قبل توبتهم ليرجعوا إلى حال الرّضا عنهم . [ إلى أن قال : ] فإن قيل : ما معنى التّوبة عليهم واللّائمة لهم وهم قد خلّفوا فهلّا عذّروا ؟ قيل : ليس المعنى أنّهم أمروا بالتّخلّف ورضي منهم به ، كقولك لصاحبك : أين خلّفت فلانا ؟ فيقول : بموضع كذا ، ليس يريد أنّه أمره بالتّخلّف هناك بل لعلّه أن يكون نهاه ، وإنّما يريد أنّه تخلّف هناك . ( 5 : 365 ) الميبديّ : أعاد التّوبة للتّوكيد ، لأنّ ذكر التّوبة على هؤلاء مضى في قوله : ( وعلى الثّلثة ) ، وفي معنى
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 84 | مجمع البحوث الاسلامية