تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ورجع برحمته رجوعا إلى النّبيّ والمهاجرين والأنصار والثّلاثة الّذين خلّفوا . فأمّا توبته ورجوعه بالرّحمة على المهاجرين والأنصار فإنّهم اتّبعوا النّبيّ في ساعة العسرة وزمانها - وهو أيّام مسيرهم إلى تبوك - اتّبعوه من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ويميل عن الحقّ بترك الخروج أو ترك السّير ، فبعدما اتّبعوه تاب اللّه عليهم إنّه بهم لرؤوف رحيم . وأمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا فإنّهم آل أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ووسعت - وكان ذلك بسبب أنّ النّاس لم يعاشروهم ولا كلّموهم حتّى أهلهم فلم يجدوا أنيسا يأنسون به - وضاقت عليهم أنفسهم - من دوام الغمّ عليهم - وأيقنوا أن لا ملجأ من اللّه إلّا إليه بالتّوبة والإنابة ، فلمّا كان ذلك كلّه تاب اللّه عليهم وانعطف ورجع برحمته إليهم ليتوبوا إليه ، فيقبل توبتهم إنّه هو التّوّاب - كثير الرّجوع إلى عباده يرجع إليهم بالهداية والتّوفيق للتّوبة إليه ثمّ بقبول تلك التّوبة - والرّحيم بالمؤمنين . وقد تبيّن بذلك كلّه أوّلا : أنّ المراد بالتّوبة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : محض الرّجوع إليه بالرّحمة ، ومن الرّجوع إليه بالرّحمة : الرّجوع إلى أمّته بالرّحمة ، فالتّوبة عليهم : توبة عليه ، فهو صلّى اللّه عليه وآله الواسطة في نزول الخيرات والبركات إلى أمّته . وأيضا فإنّ من فضله تعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أنّ كلّما ذكر أمّته أو الّذين معه بخير أفرده من بينهم ، وصدّر الكلام بذكره تشريفا له ، كما في قوله :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
البقرة : 285 ، وقوله :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
التّوبة : 26 ، وقوله :
لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا
التّوبة : 88 ، إلى غير ذلك من الموارد . وثانيا : أنّ المراد بما ذكر ثانيا وثالثا من التّوبة بقوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
في الموضعين ، هو تفصيل ما ذكره إجمالا بقوله :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ .
وثالثا : أنّ المراد بالتّوبة في قوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
في الموضعين : رجوعه تعالى إليهم بالهداية إلى الخير والتّوفيق . فقد ذكرنا مرارا في الأبحاث السّابقة أنّ توبة العبد محفوفة بتوبتين من الرّبّ تعالى ، وأنّه يرجع إليه بالتّوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهو التّوبة الأولى منه ، فيهتدي العبد إلى الاستغفار وهو توبته ، فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه ، وهو التّوبة الثّانية منه تعالى . والدّليل على أنّ المراد بها في الموضعين ذلك ، أمّا في الآية الأولى فلأنّه لم يذكر منهم فيها ذنبا يستغفرون له حتّى تكون توبته عليهم توبة قبول ، وإنّما ذكر أنّه كان من المتوقّع زيغ قلوب بعضهم ، وهو يناسب التّوبة الأولى منه تعالى دون الثّانية ، وأمّا في الآية الثّانية فلأنّه ذكر بعدها قوله : ( ليتوبوا ) وهو الاستغفار ، أخذ غاية لتوبته تعالى ، فتوبته تعالى قبل توبتهم ليست إلّا التّوبة الأولى منه . وربّما أيّد ذلك قوله تعالى : في مقام تعليل توبته عليهم :
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
حيث لم يذكر من أسمائه ما يدلّ بلفظه على قبول توبتهم ، كما لم يذكر منهم توبة