تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
الأنبياء وكونها من الاجتهاد الّذي لم يقرّهم اللّه عليه ، لأنّ غيره خير منه . وأمّا المهاجرون والأنصار رضي اللّه عنهم وهم خلّص المؤمنين
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
فمنهم من كان ذنبه التّثاقل في الخروج حتّى ورد الأمر الحتم فيه ، والتّوبيخ على التّثاقل إلى الأرض ، ومنهم من كان ذنبهم السّماع للمنافقين فيما كانوا يبغون من فتنة المؤمنين بالقوّة والاستدراك ، وبالفعل . ( 11 : 64 ) نحوه المراغيّ . ( 11 : 39 ) الطّباطبائيّ : والآيتان [ التّوبة : 117 ، 118 ] وإن كانت كلّ واحدة منهما ناظرة إلى جهة دون جهة أخرى ، فالأولى تبيّن التّوبة على النّبيّ والمهاجرين والأنصار ، والثّانية [ وهي
عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
وسيأتي ذكرها ] تبيّن التّوبة على الثّلاثة المخلّفين مضافا إلى أنّ نوع التّوبة على أهل الآيتين مختلف ، فأهل الآية الأولى أو بعضهم تاب اللّه عليهم من غير معصية منهم ، وأهل الآية الثّانية تيب عليهم وهم عاصون مذنبون . وبالجملة : الآيتان مختلفتان غرضا ومدلولا ، غير أنّ السّياق يدلّ على أنّهما مسوقتان لغرض واحد ، ومتّصلتان كلاما واحدا تبيّن فيه توبته تعالى للنّبيّ والمهاجرين والأنصار والثّلاثة الّذين خلّفوا ، ومن الدّليل عليه قوله :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
إلى أن قال :
وَعَلَى الثَّلاثَةِ
إلخ . فالآية الثّانية غير مستقلّة عن الأولى بحسب اللّفظ وإن استقلّت عنها في المعنى ، وذلك يستدعي نزولهما معا ، وتعلّق غرض خاصّ بهذا الاتّصال والامتزاج . ولعلّ الغرض الأصليّ بيان توبة اللّه سبحانه لأولئك الثّلاثة المخلّفين ، وقد ضمّ إليها ذكر توبته تعالى للمهاجرين والأنصار حتّى للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، لتطيب قلوبهم بخلطهم بغيرهم ، وزوال تميّزهم من سائر النّاس ، وعفو أثرهم ذلك عنهم ، حتّى يعود الجميع على نعت واحد ، وهو أنّ اللّه تاب عليهم برحمته ، فهم فيه سواء من غير أن يرتفع بعضهم عن بعض ، أو ينخفض بعضهم عن بعض . وبهذا تظهر النّكتة في تكرار ذكر التّوبة في الآيتين ، فإنّ اللّه سبحانه يبدأ بذكر توبته على النّبيّ والمهاجرين والأنصار ، ثمّ يقول :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
وعلى الثّلاثة الّذين خلّفوا ثمّ يقول :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
فليس إلّا أنّ الكلام مسوق على منهج الإجمال والتّفصيل ، ذكر فيه توبته تعالى على الجميع إجمالا ، ثمّ أشير إلى حال كلّ من الفريقين على حدته ، فذكرت عند ذلك توبته الخاصّة به . ولو كانت كلّ واحدة من الآيتين ذات غرض مستقلّ من غير أن يجمعهما غرض جامع ، لكان ذلك تكرارا من غير نكتة ظاهرة . على أنّ في الآية الأولى دلالة واضحة على أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يكن له في ذلك ذنب ولا زيغ ، ولا كاد أن يزيغ قلبه . فإنّ في الكلام مدحا للمهاجرين والأنصار باتّباع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فلم يزغ قلبه ولا كاد أن يزيغ حتّى صار متّبعا يقتدى به ، ولولا ما ذكرناه من الغرض لم يكن لذكره صلّى اللّه عليه وآله مع سائر المذكورين وجه ظاهر . فيؤول معنى الآية إلى أنّ اللّه - أقسم لذلك - تاب