يقول : وأصل جبر : إصلاح شيء بالقوّة والغلبة . وعندما يستعمل هذا المصطلح حول اللّه تعالى ، فإنّه يبيّن أحد صفاته الكبيرة ؛ حيث تأثير إرادته ، وكمال قدرته يصلح كلّ فساد . وإذا استعملت في غير اللّه أعطت معنى المذمّة ، وكما يقول الرّاغب : فإنّها تطلق على الشّخص الّذي يريد تعويض نقصه بإظهاره لأمور غير لائقة .
وقد ورد هذا المصطلح عشر مرّات في القرآن الكريم : تسع مرّات حول الأشخاص الظّالمين والمستكبرين المتسلّطين على رقاب الأمّة والمفسدين في الأرض ، ومرّة واحدة فقط حول اللّه القادر المتعال ؛ حيث ورد بهذا المعنى في الآية مورد البحث .
( 18 : 209 )
جبّارا
1 -
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا .
مريم : 14
ابن عبّاس : في دينه قتّالا في الغضب . ( 254 )
قيل : الجبّار : الّذي يقتل ويضرب على الغضب .
( الطّبرسيّ 3 : 506 )
نحوه الثّوريّ ( النّيسابوريّ 16 : 41 ) ، والبغويّ ( 3 :
227 ) ، والخازن ( 4 : 195 ) .
الطّبريّ : يقول جلّ ثناؤه : ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربّه وطاعة والديه ، ولكنّه كان للّه ولوالديه متواضعا متذلّلا ، يأتمر لما أمر به ، وينتهي عمّا نهي عنه ، لا يعصي ربّه ، ولا والديه . ( 16 : 58 )
الطّوسيّ : متكبّرا . ( 7 : 112 )
الكرمانيّ : قوله :
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ،
وبعده :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
مريم : 32 ، لأنّ الأوّل في حقّ يحيى ، وجاء في الخبر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
« ما من أحد من بني آدم إلّا أذنب أو همّ بذنب إلّا يحيى ابن زكريّا عليهما السّلام » فنفى عنه العصيان . والثّاني : في عيسى عليه السّلام فنفى عنه الشّقاوة ، وأثبت له السّعادة .
والأنبياء عندنا معصومون عن الكبائر ، غير معصومين عن الصّغائر . ( 124 )
الميبديّ : الجبّار : الذّاهب في نفسه ، العاتي في فعله ، الغليظ على غيره . ( 6 : 14 )
الطّبرسيّ : أي متكبّرا متطاولا على الخلق .
( 3 : 506 )
نحوه الآلوسيّ . ( 16 : 73 )
الفخر الرّازيّ : الصّفة السّابعة [ ليحيى عليه السّلام في الآية ]
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
والمراد وصفه بالتّواضع ولين الجانب ؛ وذلك من صفات المؤمنين ، كقوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
الحجر : 88 ، وقال تعالى :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
آل عمران : 159 ، ولأنّ رأس العبادات معرفة الإنسان نفسه بالذّلّ ومعرفة ربّه بالعظمة والكمال . ومن عرف نفسه بالذّلّ وعرف ربّه بالكمال كيف يليق به التّرفّع والتّجبّر ! ولذلك فإنّ إبليس لمّا تجبّر وتمرّد صار مبعدا عن رحمة اللّه تعالى وعن الدّين .
وقيل : ( الجبّار ) هو الّذي لا يرى لأحد على نفسه حقّا ، وهو من العظم والذّهاب بنفسه عن أن يلزمه قضاء حقّ أحد .
وقال سفيان في قوله :
جَبَّاراً عَصِيًّا
إنّه الّذي