النّبوّة ، فمنها يفيض على المهاجرين والأنصار وجميع الأمّة ، فلهذا قال :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ .
[ إلى أن قال : ]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
أي تجاوز عن ذنبهم الّذي فرط منهم ، وهو تكرير للتّأكيد وتنبيه على أنّه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة . ( 3 : 525 )
الآلوسيّ : قال أصحاب المعاني : المراد ذكر التّوبة على المهاجرين والأنصار ، إلّا أنّه جيء في ذلك بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تشريفا لهم وتعظيما لقدرهم ، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه :
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
الأنفال : 41 ، أي عفا سبحانه عن زلّات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين .
وقيل : المراد ذكر التّوبة عليه - عليه الصّلاة والسّلام - وعليهم ، والذّنب بالنّسبة إليه صلّى اللّه عليه وسلّم من باب خلاف الأولى نظرا إلى مقامه الجليل ، وفسّر هنا على ما روي عن ابن عبّاس : بالإذن للمنافقين في التّخلّف ، وبالنّسبة إليهم رضي اللّه تعالى عنهم لا مانع من أن يكون حقيقيّا ؛ إذ لا عصمة عندنا لغير الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ، ويفسّر بما فسّر أوّلا .
وجوّز أيضا أن يكون من باب خلاف الأولى بناء على ما قيل : إنّ ذنبهم كان الميل إلى القعود عن غزوة تبوك ؛ حيث وقعت في وقت شديد ، وقد تفسّر التّوبة بالبراءة عن الذّنب والصّون عنه مجازا ؛ حيث إنّه لا مؤاخذة في كلّ ، وظاهر الإطلاق الحقيقة . وفي الآية ما لا يخفى من التّحريض والبعث على التّوبة للنّاس كلّهم .
[ إلى أن قال : ]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
تكرير للتّأكيد بناء على أنّ الضّمير للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمهاجرين والأنصار رضي اللّه تعالى عنهم ، والتّأكيد يجوز عطفه ب « ثمّ » كما صرّح به النّحاة وإن كان كلام أهل المعاني يخالفه ظاهرا . وفيه تنبيه على أنّ توبته سبحانه في مقابلة ما قاسوه من الشّدائد ، كما دلّ عليه التّعليق بالموصول .
ويحتمل أن يكون الضّمير للفريق ، والمراد أنّه تاب عليهم لكيدودتهم وقربهم من الزّيغ ، لأنّه جرم محتاج إلى التّوبة عليه ، فلا تكرار لما سبق . ( 11 : 39 )
رشيد رضا : هذا خبر مؤكّد بلام القسم على حرف التّحقيق ، بيّن به تعالى فضل عطفه على نبيّه وأصحابه المؤمنين الصّادقين من المهاجرين والأنصار ، وتجاوزه عن هفواتهم في هذه الغزوة وفي غيرها لاستغراقها في حسناتهم الكثيرة على كونهم لا يصرّون على شيء منها . وإنّما كانت هفواتهم هذه مقتضى الطّباع البشريّة واجتهاد الرّأي فيما لم يبيّنه اللّه تعالى لهم بيانا قطعيّا يعدّ مخالفه عاصيا .
وقد بيّنّا في تفسير الآية : 104 [ من سورة التّوبة ] أنّ للتّوبة درجات تختلف باختلاف طبقات التّوّابين الرّجّاعين إلى اللّه من كلّ إعراض عنه . وتوبته تعالى على عباده لها معنيان : عطفه عليهم - وهذا أعلاهما - وتوفيقهم للتّوبة وقبولها منهم ، وإنّما يتوبون من ذنب ، وما كلّ ذنب معصية للّه عزّ وجلّ .
وقد فسّر ابن عبّاس التّوبة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هنا بقوله تعالى ، في سياق هذه الغزوة :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
التّوبة : 43 ، وحقّقنا في تفسيرها مسألة ذنوب