وأمّا توبته على الفريق الّذي كاد أن يزيغ ، فرجوعه من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا . ( 3 : 92 )
الطّبرسيّ : [ مثل الطّوسيّ وأضاف : ]
وإنّما ذكر اسم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مفتاحا للكلام وتحسينا له ، ولأنّه سبب توبتهم ، وإلّا فلم يكن منه ما يوجب التّوبة .
وقد روي عن الرّضا عليّ بن موسى عليه السّلام أنّه قرأ ( لقد تاب اللّه بالنّبىّ على المهاجرين والأنصار ) . ( 3 : 80 )
نحوه فضل اللّه . ( 11 : 23 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك ، وبيّن أحوال المتخلّفين عنها ، وأطال القول في ذلك على التّرتيب الّذي لخّصناه في هذا التّفسير ، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها .
ومن بقيّة الأحكام أنّه قد صدر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نوع زلّة جارية مجرى ترك الأولى ، وصدر عن المؤمنين نوع زلّة ، فذكر تعالى أنّه تفضّل عليهم وتاب عليهم في تلك الزّلّات ، فقال :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : دلّت الأخبار على أنّ هذا السّفر كان شاقّا شديدا على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وعلى المؤمنين ، على ما سيجيء شرحها ، وهذا يوجب الثّناء ، فكيف يليق بها قوله :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ .
والجواب من وجوه : أنّه صدر عن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام شيء من باب ترك الأفضل ، وهو المشار إليه بقوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
التّوبة :
43 ، وأيضا لمّا اشتدّ الزّمان في هذه الغزوة على المؤمنين فربّما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السّفرة ، وربّما وقع في خاطر بعضهم أنّا لسنا نقدر على الفرار . ولست أقول :
عزموا عليه ، بل أقول : وساوس كانت تقع في قلوبهم ، فاللّه تعالى بيّن في آخر هذه السّورة أنّه بفضله عفا عنها ، فقال :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ .
والوجه الثّاني في الجواب : أنّ الإنسان طول عمره لا ينفكّ عن زلّات وهفوات ، إمّا من باب الصّغائر ، وإمّا من باب ترك الأفضل . ثمّ إنّ النّبيّ عليه السّلام وسائر المؤمنين لمّا تحمّلوا مشاقّ هذا السّفر ومتاعبه ، وصبروا على تلك الشّدائد والمحن ، أخبر اللّه تعالى أنّ تحمّل تلك الشّدائد صار مكفّرا لجميع الزّلّات الّتي صدرت عنهم في طول العمر ، وصار قائما مقام التّوبة المقرونة بالإخلاص عن كلّها ، فلهذا السّبب قال تعالى :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ .
والوجه الثّالث في الجواب : أنّ الزّمان لمّا اشتدّ عليهم في ذلك السّفر ، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم ، فكلّما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى اللّه منها ، وتضرّع إلى اللّه في إزالتها عن قلبه ، فلكثرة إقدامهم على التّوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم قال تعالى :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
الآية .
والوجه الرّابع : لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي ، إلّا أنّه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم ، لأجل أنّهم تحمّلوا مشاقّ ذلك السّفر ، ثمّ إنّه تعالى ضمّ ذكر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، إلى ذكرهم تنبيها على عظم مراتبهم في الدّين . وأنّهم قد