احتملت وجهين :
أحدهما : أنّها الإذن لهم بالرّجوع إلى المدينة .
الثّاني : أنّها بالمعونة لهم في إمطار السّماء عليهم حتّى حيوا ، وتكون التّوبة على هذين الوجهين عامّة .
وإن قيل : إنّ التّوبة الثّانية بعد عودهم إلى المدينة ، احتملت وجهين :
أحدهما : أنّها العفو عنهم من ممالأة من تخلّف عن الخروج معهم .
الثّاني : غفران ما همّ به فريق منهم من العدول عن الحقّ ، وتكون التّوبة على هذين الوجهين خاصّة .
( 2 : 412 )
نحوه القرطبيّ . ( 8 : 278 )
الطّوسيّ : أقسم اللّه تعالى في هذه الآية - لأنّ لام ( لقد ) لام القسم - بأنّه تاب على النّبيّ والمهاجرين والأنصار ، بمعنى أنّه رجع إليهم وقبل توبتهم . [ إلى أن قال : ]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
أي رجع عليهم بقبول توبتهم .
( 5 : 362 )
البغويّ : أي تجاوز وصفح ، ومعنى توبته على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بإذنه للمنافقين بالتّخلّف عنه . وقيل : افتتح الكلام به ، لأنّه كان سبب توبتهم فذكره معهم ، كقوله تعالى :
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
الأنفال : 41 ، ونحوه .
[ إلى أن قال : ]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
فإن قيل : كيف أعاد ذكر التّوبة وقد قال في أوّل الآية :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ؟
قيل : ذكر التّوبة في أوّل الآية قبل ذكر الذّنب ، وهو محض الفضل من اللّه عزّ وجلّ ، فلمّا ذكر الذّنب أعاد التّوبة ، والمراد منه قبولها . ( 3 : 128 )
نحوه الميبديّ ( 4 : 224 ) ، وابن الجوزيّ ( 3 :
511 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 655 ) .
الزّمخشريّ :
تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
كقوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
الفتح : 2 ، وقوله :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
المؤمن : 55 ، وهو بعث للمؤمنين على التّوبة ، وأنّه ما من مؤمن إلّا هو محتاج إلى التّوبة والاستغفار حتّى النّبيّ والمهاجرون والأنصار ، وإبانة لفضل التّوبة ومقدارها عند اللّه ، وأنّ صفة التّوّابين الأوّلين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصّالحين ، ليظهر فضيلة الصّلاح .
وقيل : معناه تاب اللّه عليه من إذنه للمنافقين في التّخلّف عنه ، كقوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
التّوبة : 43 . [ إلى أن قال : ]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
تكرير للتّوكيد ، ويجوز أن يكون الضّمير للفريق ، تاب عليهم لكيد ودتهم . ( 2 : 218 )
نحوه البيضاويّ ( 1 : 435 ) ، والنّسفيّ ( 2 : 148 ) .
ابن عطيّة : التّوبة من اللّه : رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها ، فقد تكون في الأكثر رجوعا من حالة طاعة إلى أكمل منها . وهذه توبته في هذه الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمّل مشقّاتها إلى حاله بعد ذلك كلّه .
وأمّا توبته على المهاجرين والأنصار ، فحالها معرضة لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجدّ في الغزو ونصرة الدّين .