آيتين من سورة مكّيّة :
1 -
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
يوسف : 10
2 -
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
يوسف : 15
ويلاحظ أوّلا : أنّه جاء في الآيتين بسياق واحد :
غَيابَتِ الْجُبِّ *
وقد اختلفوا في معنى « الغيابة » هنا - بعد اتّفاقهم على أنّها كلّ موضع ستر شيئا ، وعلى أنّه إنّما اقترحه القائل ليستر يوسف عن أعين النّاس - على وجهين :
1 - قعر البئر ، فإنّه بظلمته يستر يوسف عن النّظر .
2 - حفرة أو طاق بجانب البئر فوق سطح الماء ، يدخلها من يدلّي فيه لإخراج شيء وضع فيه ، أو إصلاح خلل عرض له ، فإذا دخله يوسف لا يراه النّاظرون .
ويؤيّد الأوّل لفظ ( القوه ) فإنّ الإلقاء ترك الشّيء من جانب العلوّ إلى السّفل ، فإذا ألقوا يوسف فسيقع في قعر البئر لا في حفرة بجانبه ، فلا يقال فيه : ( ألقه ) بل ( ضعه ) فيه ، ويؤيّد الثّاني قراءة ( غيابات ) فربّما يكون بجوانب البئر شعب وحفرات وطاقات . وأنكر هذه القراءة أبو عبيد ، وأقرّ بها النّحّاس ، لاحظ « غ ي ب :
غيابة » .
وعندنا أنّ السّياق يساعد التّحقير والإهانة بيوسف بدل قتله بإلقائه في الجبّ ، فالأوّل هو الأقرب .
ثانيا : اختلفوا في الجبّ هل هو جبّ خاصّ ، فاختلفوا في موضعه أنّه « بيت المقدس » أو « الشّام » أو موضع بين مصر ومدين ، فتكون اللّام للعهد إشارة إلى جبّ معروف في الطّريق ، يردون عليها كثيرا ، ولهذا قال :
يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ،
أو جبّ غير معيّن من الآبار الّتي في الطّريق .
وعليه فاللّام للجنس ولعلّه الأقرب ، لأنّ القائل قاله قبل أن يعزموا على يوسف بشيء ، وربّما قبل أن يطرقوا الطّريق ، فبعيد أن يريد جبّا معّينا ، كان في طريق السّيّارة وفيه الماء . فلا يعبأ بقول من عمّه إلى ما فيه ماء وما ليس فيه ماء ، فهذا غريب عن المراد .
ثالثا : جاءت في التّفاسير قصص عن إلقاء يوسف في الجبّ لا أصل لها ، ككثير من القصص الإسرائيليّة العجيبة ولا سيّما في تفسير سورة يوسف ، لاحظ « يوسف » .