ذلك من الدّواعي القويّة إلى التّوبة .
ورابعها : أنّه تعالى علّمه كلاما لو حصلت التّوبة معه ، لكان ذلك سببا لكمال حال التّوبة . [ ثمّ نقل قول الغزاليّ والقفّال وقال : ]
واعلم أنّ كلام الغزاليّ رحمه اللّه أبين وأدخل في التّحقيق ، إلّا أنّه يتوجّه عليه إشكال ، وهو أنّ العلم بكون الفعل الفلانيّ ضررا ، مع العلم بأنّ ذلك الفعل صدر منه ، يوجب تألّم القلب ، وذلك التّألّم يوجب إرادة التّرك في الحال والاستقبال ، وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي ، وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتّبا على البعض ترتّبا ضروريّا ، لم يكن ذلك داخلا تحت قدرته ، فاستحال أن يكون مأمورا به .
والحاصل : أنّ الدّاخل في الوسع ليس إلّا تحصيل العلم ، فأمّا ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل . لكن لقائل أن يقول : تحصيل العلم ليس أيضا في الوسع ، لأنّ تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلّا بواسطة معلومات متقدّمة على ذلك المجهول ، فتلك العلوم الحاضرة المتوسّل بها إلى اكتساب ذلك المجهول إمّا أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول ، أو لم تكن مستلزمة .
فإن كان الأوّل كان ترتّب المتوسّل إليه على المتوسّل به ضروريّا ، فلا يكون ذلك داخلا في القدرة والاختيار ، وإن كان الثّاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة ، لأنّ المقدّمات القريبة لا بدّ وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذّهن تسليم المطلوب ، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدّمات منتجة لتلك النّتيجة .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : تلك المقدّمات وإن كانت حاضرة في الذّهن إلّا أنّ كيفيّة التّوصّل بها إلى تلك النّتيجة غير حاضرة في الذّهن ، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدّمات العلم بتلك النّتيجة لا محالة ؟
قلنا : العلم بكيفيّة التّوصّل بها إلى تلك النّتيجة إمّا أن يكون من البديهيّات أو من الكسبيّات ، فإن كان من البديهيّات لم يكن في وسعه ، وإن كان من الكسبيّات كان القول في كيفيّة اكتسابه كما في الأوّل . فإمّا أن يفضي إلى التّسلسل وهو محال ، أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور ، واللّه أعلم . [ ثمّ نقل قول عبد الجبّار وأضاف : ]
أمّا أبو هاشم فإنّه يجوّز أن يخلو العاصي من التّوبة والإصرار ، ويقول : لا يصحّ أن تكون التّوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه ، بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال . فإمّا أن تجب لأنّ بالصّغيرة قد نقص ثوابهم ، فيعود ذلك النّقصان بالتّوبة . وإمّا لأنّ التّوبة نازلة منزلة التّرك ، فإذا كان التّرك واجبا عند الإمكان ، فلابدّ من وجوب التّوبة مع عدم الإمكان .
وربّما قال : تجب التّوبة عليهم من جهة السّمع ، وهذا هو الأصحّ على قوله ، لأنّ التّوبة وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله ، وهو كونه خصيما مبينا . ( 3 : 19 - 21 )
القرطبيّ : أي قبل توبته ، أو وفّقه للتّوبة . وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة . [ ثمّ ذكر نحو ما تقدّم في النّصوص ] ( 1 : 324 )
البيضاويّ : رجع عليه بالرّحمة وقبول التّوبة ، وإنّما رتّبه بالفاء على تلقّي الكلمات ، لتضمّنه معنى التّوبة ،
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 72
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧٢