تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
تصحّ أم لا ؟ فقال الحسن : يحجب عنها عند الآيات السّتّ . ورواه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « بادروا الأعمال قبل ستّ : طلوع الشّمس من مغربها ، والدّجّال ، والدّخان ، ودابّة الأرض ، وخويصة أحدكم يعني الموت ، وأمر العامّة يعني القيامة » . وقال قوم : لا شكّ أنّ بعض الآيات يحجب ، وباقيها محجوز ، وهو الأقوى . وقوله :
فَتابَ عَلَيْهِ
يعني قبل توبته ، لأنّه لمّا عرضه للتّوبة بما ألقاه من الكلمات فعل التّوبة ، وقبلها اللّه تعالى منه . وقيل :
فَتابَ عَلَيْهِ
أي وفّق للتّوبة وهداه إليها ، فقال : اللّهمّ تب عليّ ، أي وفّقني للتّوبة ، فلقّنه الكلمات حتّى قالها . فلمّا قالها قبل توبته . [ إلى أن قال : ] وإنّما قال :
فَتابَ عَلَيْهِ
ولم يقل : فتاب عليهما ؟ [ أجاب كما تقدّم في الوجه الثّاني من كلام الماورديّ ] ( 1 : 170 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 1 : 89 ) الغزاليّ : اعلم أنّ التّوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مرتّبة : علم ، وحال ، وفعل . فالعلم الأوّل ، والحال الثّاني ، والفعل الثّالث . والأوّل موجب للثّاني ، والثّاني موجب للثّالث إيجابا اقتضاه اطّراد سنّة اللّه في الملك والملكوت . أمّا العلم فهو معرفة عظم ضرر الذّنوب ، وكونها حجابا بين العبد وبين كلّ محبوب ، فإذا عرف ذلك معرفة محقّقة بيقين غالب على قلبه ، ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات المحبوب . فإنّ القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألّم ، فإن كان فواته بفعله تأسّف على الفعل المفوّت ، فيسمّى تألّمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندما . فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى ، انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمّى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلّق بالحال وبالماضي وبالاستقبال . أمّا تعلّقه بالحال فبالتّرك للذّنب الّذي كان ملابسا ، وأمّا بالاستقبال فبالعزم على ترك الذّنب المفوّت للمحبوب إلى آخر العمر ، وأمّا بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر . فالعلم هو الأوّل ، وهو مطلع هذه الخيرات ، وأعني بهذا العلم : الإيمان واليقين . فإنّ الإيمان عبارة عن التّصديق بأنّ الذّنوب سموم مهلكة ، واليقين عبارة عن تأكّد هذا التّصديق ، وانتفاء الشّكّ عنه واستيلائه على القلب ، فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار النّدم ، فيتألّم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنّه صار محجوبا عن محبوبه ، كمن يشرق عليه نور الشّمس وقد كان في ظلمة ، فيسطع النّور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب ، فرأى محبوبه وقد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحبّ في قلبه ، وتنبعث تلك النّيران بإرادته للانتهاض للتّدارك . فالعلم والنّدم والقصد المتعلّق بالتّرك في الحال والاستقبال والتّلافي للماضي ، ثلاثة معان مرتّبة في الحصول ، فيطلق اسم « التّوبة » على مجموعها . وكثيرا ما يطلق اسم « التّوبة » على معنى النّدم وحده ، ويجعل العلم كالسّابق والمقدّمة والتّرك كالثّمرة ، والتّابع المتأخّر ، وبهذا الاعتبار قال عليه السّلام : « النّدم توبة » إذ لا يخلو النّدم عن علم أوجبه وأثمره ،