ومن الإشفاق فيما بين ذلك كلّه .
أمّا أنّه لا بدّ من التّرك ، فلأنّه لو لم يترك لكان فاعلا له ، فلا يكون تائبا .
وأمّا النّدم فلأنّه لو لم يندم لكان راضيا بكونه فاعلا له ، والرّاضي بالشّيء قد يفعله ، والفاعل للشّيء لا يكون تائبا عنه .
وأمّا العزم على أن لا يعود إلى مثله ، فلأنّ فعله معصية ، والعزم على المعصية معصية .
وأمّا الإشفاق فلأنّه مأمور بالتّوبة ، ولا سبيل له إلى القطع بأنّه أتى بالتّوبة كما لزمه ، فيكون خائفا ، ولهذا قال تعالى :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
الزّمر : 9 ، وقال عليه السّلام : « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » .
( الفخر الرّازيّ 3 : 20 )
عبد الجبّار : إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التّوبة ؟
والجواب : إنّها تلزمه ، لأنّ المكلّف متى علم أنّه قد عصى لم يحد « 1 » فيما بعد وهو مختار ، ولا مانع من أن يكون نادما أو مصرّا . لكنّ الإصرار قبيح فلا تتمّ مفارقته لهذا القبيح إلّا بالتّوبة ، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة ، وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب . ( الفخر الرّازيّ 3 : 21 )
الماورديّ : أي قبل توبته ، والتّوبة : الرّجوع ، فهي من العبد رجوعه عن الذّنب بالنّدم عليه ، والإقلاع عنه ، وهي من اللّه تعالى على عبده رجوع له إلى ما كان عليه .
فإن قيل : فلم قال :
فَتابَ عَلَيْهِ
ولم يقل : فتاب عليهما ، والتّوبة قد توجّهت إليهما ؟
قيل عنه جوابان :
أحدهما : لمّا ذكر آدم وحده بقوله :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
ذكر بعده قبول توبته ، ولم يذكر توبة حوّاء وإن كانت مقبولة التّوبة ، لأنّه لم يتقدّم ذكرها .
والثّاني : أنّ الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحدا ، جاز أن يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما ، كما قال تعالى :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها
الجمعة : 11 ، وكما قال عزّ وجلّ :
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
التّوبة : 62 . ( 1 : 109 )
نحوه ابن الجوزيّ . ( 1 : 70 )
الطّوسيّ : والتّوبة شرطها النّدم على ما مضى من القبيح ، والعزم على أن لا يعود إلى مثله من القبيح ، لأنّ هذه التّوبة هي المجمع على سقوط العقاب عندها ، وما عداها فمختلف فيه .
وقد يقول القائل : قد تبت من هذا الأمر ، أي عزمت على ألّا أفعله ، وصرت بمنزلة التّائب ، لأنّها طاعة ، فأمّا إسقاط العقاب عنده فتفضّل منه تعالى .
وقالت المعتزلة ومن وافقها : وذلك واجب ، وقد بيّنّا الصّحيح من ذلك في « شرح الجمل » .
والتّوبة إذا كانت من ترك ندب عندنا تصحّ ، وتكون على وجه الرّجوع إلى فعله . وعلى هذا تحمل توبة الأنبياء كلّهم في جميع ما نطق به القرآن ، لأنّه قد بيّنّا أنّه لا يجوز عليهم فعل القبيح .
والمطبوع على قلبه له توبة ، وبه قال أهل العدل .
وقالت البكريّة : لا توبة له . وهو خطأ ، من قبل أنّه
هامش
( 1 ) حاد عن الطّريق : عدل عنه .