من العدد ، فوجب أن يمنع من الصّرف ؛ وذلك لأنّه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصّرف ، لأنّه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين ، فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه ، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين ، فوجب أن يمنع صرفه ، واللّه أعلم .
ذهب قوم سدّى « 1 » إلى أنّه يجوز التّزوّج بأيّ عدد أريد ، واحتجّوا بالقرآن والخبر .
أمّا القرآن فقد تمسّكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه :
الأوّل : أنّ قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنّه لا عدد إلّا ويصحّ استثناؤه منه ، وحكم الاستثناء إخراج مالولاه لكان داخلا .
والثّاني : أنّ قوله :
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
لا يصلح تخصيصا لذلك العموم ، لأنّ تخصيص بعض الأعداد بالذّكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي ، بل نقول : إنّ ذكر هذه الأعداد يدلّ على رفع الحرج والحجر مطلقا ، فإنّ الإنسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السّوق وإلى المدينة وإلى البستان ، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقا ، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقا ، ولا يكون ذلك تخصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة ، بل كان إذنا في المذكور وغيره ، فكذا هاهنا ، وأيضا فذكر جميع الأعداد متعذّر ، فإذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
كان ذلك تنبيها على حصول الإذن في جميع الأعداد .
والثّالث : أنّ ( الواو ) للجمع المطلق ، فقوله :
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
يفيد حلّ هذا المجموع ، وهو يفيد تسعة ، بل الحقّ أنّه يفيد ثمانية عشر ، لأنّ قوله : ( مثنى ) ليس عبارة عن اثنين فقط ، بل عن اثنين اثنين ، وكذا القول في البقيّة .
وأمّا الخبر فمن وجهين :
الأوّل : أنّه ثبت بالتّواتر أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم مات عن تسع ، ثمّ إنّ اللّه تعالى أمرنا باتّباعه ، فقال : ( فاتّبعوه ) ، وأقلّ مراتب الأمر الإباحة .
الثّاني : أنّ سنّة الرّجل طريقته ، وكان التّزوّج بالأكثر من الأربع طريقة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، فكان ذلك سنّة له ، ثمّ إنّه عليه السّلام قال : « فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » فظاهر هذا الحديث يقتضي توجّه اللّوم على من ترك التّزوّج بأكثر من الأربعة ، فلا أقلّ من أن يثبت أصل الجواز .
واعلم أنّ معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين :
الأوّل : الخبر ، وهو ما روي أنّ غيلان أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمسك أربعا وفارق باقيهنّ » . وروي أنّ نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السّلام : « أمسك أربعا وفارق واحدة » .
واعلم أنّ هذا الطّريق ضعيف لوجهين :
الأوّل : أنّ القرآن لمّا دلّ على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد ، وإنّه غير جائز .
والثّاني : وهو أنّ الخبر واقعة حال ، فلعلّه عليه الصّلاة والسّلام إنّما أمره بإمساك أربع ومفارقة البواقي ، لأنّ الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز : إمّا بسبب النّسب أو بسبب الرّضاع ، وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في
هامش
( 1 ) السّدى : الإهمال والغفلة ، يقال للمفرد والجمع .