عمرت ثمود بعدها ، واستخلفوا في الأرض ، فنزلوا فيها وانتشروا ، ثمّ عتوا على اللّه .
فلمّا ظهر فسادهم وعبدوا غير اللّه ، بعث إليهم صالحا - وكانوا قوما عربا ، وهو من أوسطهم نسبا ، وأفضلهم موضعا - رسولا ، وكانت منازلهم الحجر إلى قرح ، وهو وادي القرى ، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا ، فيما بين الحجاز والشّام ، فبعث اللّه إليهم غلاما شابّا ، فدعاهم إلى اللّه ، حتّى شمط وكبر ، لا يتّبعه منهم إلّا قليل مستضعفون .
فلمّا ألحّ عليهم صالح بالدّعاء ، وأكثر لهم التّحذير ، وخوّفهم من اللّه العذاب والنّقمة ، سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لما يقال ، فيما يدعوهم إليه ، فقال لهم : أيّ آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون اللّه ، في يوم معلوم من السّنة - فتدعو إلهك وندعو آلهتنا ، فإن استجيب لك اتّبعناك ، وإن استجيب لنا اتّبعتنا ، فقال لهم صالح : نعم .
فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك ، وخرج صالح معهم إلى اللّه ، فدعوا أوثانهم وسألوها ألّا يستجاب لصالح في شيء ممّا يدعو به ، ثمّ قال له جندع بن عمرد بن حراش بن عمرو بن الدّميل ، وكان يومئذ سيّد ثمود وعظيمهم : يا صالح ، اخرج لنا من هذه الصّخرة - لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها : الكاثبة - ناقة مخترجة جوفاء وبراء - والمخترجة : ما شاكلت البخت من الإبل - وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرد ، فإن فعلت آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به هو حقّ ، وأخذ عليهم صالح مواثيقهم ، لئن فعلت وفعل اللّه لتصدّقنّي ولتؤمننّ بي ؟ قالوا : نعم ، فأعطوه على ذلك عهودهم ، فدعا صالح ربّه بأن يخرجها لهم من تلك الهضبة ، كما وصفت . ( الطّبريّ 8 : 225 )
الطّبريّ : ( ثمود ) هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام ابن نوح ، وهو أخو جد يس بن عابر ، وكانت مساكنها « الحجر » بين الحجاز والشّام إلى وادي القرى وما حوله .
ومعنى الكلام : وإلى بني ثمود أخاهم صالحا . وإنّما منع ( ثمود ) لأنّ ثمود قبيلة ، كما بكر قبيلة . ( 8 : 224 )
نحوه أبو حيّان ( 4 : 327 ) ، والقرطبيّ ( 7 : 238 ) .
الزّجّاج : و ( ثمود ) في كتاب اللّه مصروف وغير مصروف ، فأمّا المصروف فقوله :
أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ
هود : 68 ، الثّاني غير مصروف . فالّذي صرفه جعله اسما للحيّ ، فيكون مذكّرا سمّي به مذكّرا ، ومن لم يصرفه جعله اسما للقبيلة .
( 2 : 348 )
نحوه الطّوسيّ ( 4 : 479 ) ، والفخر الرّازيّ ( 14 :
161 ) .
السّجستانيّ : ( ثمود ) فعول من الثّمد ، وهو الماء القليل . ومن جعله اسم قبيلة أو أرض لم يصرفه ، ومن جعله اسم حيّ أو أب صرفه ، لأنّه مذكّر . ( 66 )
نحوه الزّمخشريّ ( 2 : 89 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 356 ) ، والنّسفيّ ( 2 : 61 ) ، والنّيسابوريّ ( 8 : 164 ) .
ابن كثير : وهم قبيلة مشهوره ، يقال : ثمود باسم جدّهم ثمود أخي جد يس ، وهما ابنا عابر بن إرم بن سام ابن نوح ، وكانوا عربا من العاربة يسكنون « الحجر » الّذي