التّرتيبيّ موافقة بين الصّفة والموصوف . فالعدد الأوّل جاء في كلّ جملة مؤنّثا ، تعبيرا عن أصحاب الكهف ، وجاء العدد الثّاني منها مذكّرا ، تعبيرا عن كلبهم .
3 - أنّه عبّر عنهم بالأعداء : ثلاثة ، خمسة ، سبعة ، منفصلة بعضها عن بعض . ثمّ عبّر عن كلبهم بالأعداد :
رابعهم ، سادسهم ، ثامنهم ، منفصلة أيضا بتداخل وتلفيق بينها ، أي أنّهم كوّنوا أصل الأعداد ، وكان كلبهم يكمّلها دائما ، لأنّ معنى ( رابعهم ) أنّه زاد على الثّلاثة وأكملها ، وهكذا ( سادسهم ) و ( ثامنهم ) . فكأنّه عدّ كلبهم من جملتهم ، غير أنّه بشكل متميّز ، فأضافه إليهم ثلاث مرّات بأعداد تغاير أعدادهم .
4 - كرّر ( الكلب ) فيها ثلاث مرّات ، وهي مع قوله :
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
الكهف : 18 ، تصبح أربعا ، وفيه تكريم وتعظيم لكلبهم ، وأيّما تكريم وتعظيم !
5 - جاء الكلب فيها أربع مرّات ، وكلّها في سياق المدح والتّكريم ، لإضافته إليهم . وجاء مرّة أخرى في القرآن غير مضاف :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
الأعراف : 176 ، ذمّا لصفة من صفاته ، وهو أنّه يلهث ، سواء تحمل عليه أم تتركه ، فلا فرق لديه في الحالتين ، تمثيلا لمن هو ضالّ ، سواء وعظته أم لم تعظه ، كقوله :
سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
الأعراف : 193 ، لاحظ « ل ه ث » .
وبذلك أبان أنّ الكلب قد اكتسب بملازمة أصحاب الكهف شرفا إنسانيّا ، لم يكن يملكه قبل ذلك ، ونعم ما قال السّعديّ ، الشّاعر الفارسيّ :
ما ترجمته :
لقد عاشر الأشرار ذاك ابن نوح * فضيّع الكرام الغرّ من آل نوح
وكلب لأهل الكهف آنا لهم تبع * فأضحى لهم كفؤا قريضا ليوح « 1 »
6 - جاءت 18 آية من السّورة في أصحاب الكهف ( 9 - 26 ) ، وقد سمّوا ( أصحاب الكهف ) مرّة ( 9 ) و ( فتية ) مرّتين ( 10 ) و ( 13 ) ، وأشير إليهم بالضّمائر مرّات ، مع أنّه ذكر ( كلبهم ) أربع مرّات : ثلاث منها في آية واحدة ، وفي هذا فضل كبير .
7 - يبدو أنّ بين « الكهف » و « كلب » في الآيات تجانس لفظيّ ، وتوازن عدديّ ، إذ كرّر كلّ منهما أربع مرّات : ( الكهف ) غير مضاف ، و ( كلبهم ) مضاف إليهم .
وقد كرّر ( كهفهم ) في ( 17 ) و ( 25 ) مرّتين أخريين ، نصف عدد ( كلبهم ) ، ففي إضافة « كهف » و « كلب » إليهم تكريم لهما ، مع تفاضل ملحوظ بينهما ، بجعل « كلب » ضعف « كهف » .
الثّالث : في ( سيقولون ) إخبار بالغيب عمّا وقع من النّزاع في عددهم - ( الطّبرسيّ 3 : 490 ) ، بعد نزول الآيات - بين وفد نصارى نجران عند النّبيّ عليه السّلام ، فقالت اليعقوبيّة منهم : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم ، وقالت النّسطوريّة منهم : كانوا خمسة سادسهم كلبهم ، ففي
هامش
( 1 ) لقد ترجمنا هذين البيتين من الفارسيّة ، وهما فيها :پسر نوح با بدان بنشست * خاندان نبوّتش گم شدسگ أصحاب كهف روزى چند * پى مردم گرفت ومردم شدوقريض : متروك ، ويوح : من أسماء الشّمس ، وهو إشارة إلى قوله تعالى :تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِالكهف : 17 ، أي تجاوزهم وتتركهم .