تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
الأوّل : أنّه انفجر الماء من وجه الأرض ، كما قال :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
القمر : 11 ، 12 ، والعرب تسمّي وجه الأرض تنّورا . الثّاني : أنّ التّنّور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها ، وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ، ليكون ذلك معجزة له ، وأيضا المعنى أنّه لمّا نبع الماء من أعالي الأرض ، ومن الأمكنة المرتفعة فشبّهت لارتفاعها بالتّنانير . الثّالث :
( فارَ التَّنُّورُ )
أي طلع الصّبح ، وهو منقول عن عليّ رضي اللّه عنه . الرّابع :
( فارَ التَّنُّورُ )
يحتمل أن يكون معناه أشدّ الأمر ، كما يقال : « حمي الوطيس » . ومعنى الآية إذا رأيت الأمر يشتدّ والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك إلى السّفينة . فإن قيل : فما الأصحّ من هذه الأقوال ؟ قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ، ولفظ التّنّور حقيقة في الموضع الّذي يخبز فيه ، فوجب حمل اللّفظ عليه . ولا امتناع في العقل في أن يقال : إنّ الماء نبع أوّلا من موضع معيّن ، وكان ذلك الموضع تنّورا . فإن قيل : ذكر التّنّور بالألف واللّام ، وهذا إنّما يكون معهود سابق معيّن ، معلوم عند السّامع ، وليس في الأرض تنّور هذا شأنه ، فوجب أن يحمل ذلك على أنّ المراد : إذا رأيت الماء يشتدّ نبوعه والأمر يقوى فانج بنفسك وبمن معك . قلنا : لا يبعد أن يقال : إنّ ذلك التّنّور كان لنوح عليه السّلام ، بأن كان تنّور آدم أو حوّاء ، أو كان تنّورا عيّنه اللّه تعالى لنوح عليه السّلام ، وعرّفه أنّك إذا رأيت الماء يفور فاعلم أنّ الأمر قد وقع ، وعلى هذا التّقدير فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره . ( 17 : 225 ) نحوه البيضاويّ ( 1 : 468 ) ، والنّيسابوريّ ( 12 : 26 ) ، وأبو السّعود ( 3 : 312 ) ، والقرطبيّ ( 9 : 34 ) ، والبروسويّ ( 4 : 126 ) . النّسفيّ : هو كناية عن اشتداد الأمر وصعوبته ، وقيل : معناه جاش الماء من تنّور الخبز ، وكان من حجر لحوّاء ، فصار إلى نوح عليه السّلام . وقيل : التّنّور وجه الأرض . ( 2 : 188 ) الخازن : والتّنّور فارسيّ معرّب ، لا تعرف له العرب اسما غير هذا ، فلذلك جاء في القرآن بهذا اللّفظ ، فخوطبوا بما يعرفون . وقيل : إنّ لفظ التّنّور جاء هكذا بكلّ لفظ عربيّ وعجميّ . وقيل : إنّ لفظ التّنّور أصله أعجميّ ، فتكلّمت به العرب فصار عربيّا مثل الدّيباج ونحوه ، واختلفوا في المراد بهذا التّنّور . [ ثمّ ذكر نحو الفخر الرّازيّ ] ( 3 : 189 ) أبو حيّان : [ ذكر أقوال المتقدّمين وأضاف : ] والظّاهر من هذه الأقوال حمله على التّنّور الّذي هو مستوقد النّار ، ويحتمل أن تكون « أل » فيه للعهد لتنّور مخصوص ، ويحتمل أن تكون للجنس ، ففار الماء من التّنانير ، وكان ذلك من أعجب الأشياء أن يفور الماء من مستوقد النّيران . ولا تنافي بين هذا وبين قوله :
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ