ولا يبعد أن يكون المراد ظاهرا أو باطنا ، هو فوران القوّة الغضبيّة وظهورها ، وبدوّ حرارة السّخط والعذاب الأليم ، فيكون التّنّور عبارة عن صفة وحالة قهّاريّة جبّاريّة للّه المتعال ، فإنّ أخذه لشديد . ( 1 : 378 )
مكارم الشّيرازيّ : « التّنّور » بتشديد النّون ، هو المكان الّذي ينضج الخبز فيه بعد أن كان عجينا . لكن ما مناسبة فوران الماء في التّنّور واقتراب الطّوفان ؟
اختلف المفسّرون فكانت لهم أقوال كثيرة في ذلك :
قال بعضهم : كانت العلامة بين نوح وربّه لحلول الطّوفان أن يفور التّنّور ، ليلتفت نوح وأصحابه إلى ذلك فيركبوا في السّفينة مع وسائلهم وأسبابهم .
وقال جماعة آخرون : إنّ كلمة ( التّنّور ) استعملت هنا مجازا وكناية عن غضب اللّه ، وذلك لأنّ غضب اللّه اشتدّت شعلته وفار ، وهذا يوحي بقرب حلول العذاب المدمّر ، وهذا التّعبير مطّرد حيث يشبهون شدّة الغضب بالفورة والإشتعال .
ولكن يبدو أنّ الاحتمال الّذي يرى أنّ ( التّنّور ) هو بمعناه الحقيقيّ المعروف . هذا الاحتمال أقوى ، والمراد ب ( التّنّور ) ليس تنّورا خاصّا بل المقصود بيان هذه المسألة الدّقيقة ، وهي أنّه حين فار التّنّور بالماء - وهو محلّ النّار عادة - التفت نوح عليه السّلام وأصحابه إلى أنّ الأوضاع بدأت تتبدّل بسرعة وأنّه حدثت المفاجأة ، فأين « الماء من النّار » ؟ !
وبتعبير آخر : حين رأوا أنّ سطح الماء ارتفع من تحت الأرض وأخذ يفور من داخل التّنّور الّذي يصنع في مكان يابس ومحفوظ ، علموا أنّ أمرا مهمّا قد حدث وأنّه قد ظهر في التّكوين أمر خطير ، وكان ذلك علامة لنوح وأصحابه أن ينهضوا ويتهيّأوا .
ولعلّ قوم نوح « 1 » الغفلة رأوا هذه الآية ، وهي فوران التّنّور بالماء في بيوتهم ، ولكن غضّوا أجفانهم وصمّوا آذانهم كعادتهم عند مثل هذا الإخطار ، أي الدّلالة الكبيرة ، حتّى أنّهم لم يسمحوا لأنفسهم بالتّفكير في هذا الأمر ، وأنّ إنذارات نوح وإخطاراته كانت لها واقعيّة . في هذه الحالة بلغ الأمر الإلهيّ نوحا
قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ
( 6 : 498 )
الأصول اللّغويّة
1 - اختلف اللّغويّون والمفسّرون في معنى « التّنّور » على أقوال ، هي : الموقد الّذي يخبز فيه ، وطلوع الفجر ونور الصّبح ، ووجه الأرض ، وموضع اجتماع الماء في سفينة نوح ، ومسجد الكوفة ، والموضع المرتفع من الأرض ، وعين في الجزيرة وهي عين الوردة .
2 - وكما اختلفوا في معناه فقد اختلفوا في أصله أيضا ، فقالوا : هو عربيّ ، أو فارسيّ ، أو آراميّ . بيد أنّه لفظ معروف في كثير من اللّغات ، حتّى قيل : إنّه في جميع اللّغات كذلك ، فقد جاء في اللّغة الفارسيّة والتّركيّة والعبريّة بلفظ « تنور » ، وفي الآراميّة والسّريانيّة « تنورا » ، وفي الأفغانيّة « تنارة » ، وفي الأبستاق ( أوستا ) « تنوره » .
هامش
( 1 ) كذا ، والظّاهر حين الغفلة ، أو هي جمع غافل - مثل فاسق وفسقة - وصف لقوم نوح .