ويرى « آرثر جفري » أنّ هذا اللّفظ من مخلّفات أقوام كانت تقطن المنطقة السّاميّة ، قبل هجرة السّاميّين والآريّين إليها ، ثمّ دخل بعد ذلك لغتي هذين الشّعبين .
3 - وأمّا من قال بعربيّته فقد ذهب إلى أنّه من قولهم : نوّر الفجر تنويرا ، وهو قول الإمام عليّ عليه السّلام كما تقدّم في معنى التّنور . وأصله على هذا القول « نوّور » على وزن « فعّول ) ، فاجتمع واوان وضمّة وتشديد ، فاستثقل ذلك ، فقلبوا عين الفعل إلى فائه ، فصار « ونّور » ، فأبدلوا من الواو تاء ، كقولهم : تولج ، في « وولج » ، والتّولج : كناس الوحش .
وقيل : أصله « تنوور » على وزن ( تفعول ) من « ت ن ر » ، فهمزت الواو الأولى ، ثمّ حذفت تخفيفا ، وشدّد الحرف الّذي قبلها - أي النّون - فصار « تنّور » .
والقول الأوّل أرجح ، لأنّ « ت ن ر » مهمل في اللّغة العربيّة ، والنّون قبل الرّاء نادر في كلام العرب ، كقولهم :
زنر الإناء ، أي ملأه ، وسنر الرّجل : ضاق خلقه وساء ، وشنّر فلان فلانا وعليه : فضحه وعابه .
الاستعمال القرآنيّ
جاءت مرّتين في قصّة نوح :
1 -
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
هود : 40
2 -
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ
المؤمنون : 27
يلاحظ أوّلا : أنّ التّنّور في القرآن خاصّ بقصّة نوح ، وذكر مرّتين كعلامة لحلول العذاب في سياق واحد ، سوى أنّه جاء في الأولى
قُلْنَا احْمِلْ فِيها ،
وفي الثّانية
فَاسْلُكْ فِيها ،
وأضيف في الثّانية ( منهم ) ، ولا تفاوت في ذلك سوى مزيد من التّوضيح .
وكونه علامة للعذاب مفهوم من ( فار التّنّور ) ، حيث إنّ ما بعدها جواب لها ومترتّب عليها .
ثانيا : اختلفوا في المراد ب ( التّنّور ) كما مرّ في النّصوص من دون شاهد في القرآن على شيء منها ، سوى ما هو صريح الآيتين : أنّ فوران التّنّور كان علامة لحلول العذاب ، فأمر نوح بحمل ما ذكر في السّفينة ، وهو الّذى قوّاه بعضهم .
ثالثا : اختلفوا أيضا في محلّ التّنّور بين بلدين :
الكوفة والشّام ، وإنّي أرى أنّه ناشئ من تلك المنافسة والعداوة الّتي كانت بين أهالي البلدين في العصر الأمويّ ، فكان هوى أهل الكوفة مع أهل البيت ، وأهل الشّام مع بني أميّة ، فأراد كلّ منهما أن يكون له حظّ من هذه القصّة . ويلحظ هذا الخلاف بوضوح في كثير من المسائل ، فينبغي التّبيّن فيها وقبولها بحذر .
رابعا : لقد أخبر القرآن بقصّة الطّوفان ، وكشف آثارها العلم الحديث ، وسنبحثها في « طوفان » إنشاء اللّه فانتظر .