البئر يثلّها ثلّا : أخرج ترابها ، ولعلّه من الثّملة بالفتح ، أو الثّملة بالضّمّ ، وهو النّثيلة والنّثالة أيضا .
ونحسب قولهم : ثلّ الدّراهم يثلّها ثلّا ، أي صبّها ، من الثّلّ والتّلّة بالتّاء ، وهو صبّ الحبل في البئر عند الاستسقاء ، ومنه الحديث : « وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فثلّت في يدي » .
3 - كما أنّ بين « الثّلّ » و « الفلّ » شيء من الاشتقاق الأكبر ، فالفلّ : الجماعة ، والفليل والفليلة : الشّعر المجتمع . والفلّ أيضا : الكسر والضّرب ، والفليل : ناب البعير المتكسّر .
بيد أنّ « الفلّ » يستعمل في الجمع المنهزم ، يقال : فلّ القوم يفلّهم فلّا : هزمهم . وأصله - كما قال ابن سيده - من الكسر ، يقال : انفلّ سنّه ، أي انكسر .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد ثلاث مرّات ، في سورة مكّيّة :
مرّة في صدرها ، ومرّتين في وسطها :
1 -
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
الواقعة : 13 ، 14
2 - 3 -
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
الواقعة : 38 - 40
يلاحظ أوّلا : أنّ مصداق « ثلّة » مختلف في الموضعين ، ففي صدر السّورة هي تفسير ل « السّابقين السّابقين » ، وهم ثالث أصناف النّاس في الآخرة ؛ حيث قال في ( 7 - 14 ) خطابا لهذه الأمّة :
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ .
وقد ثلّث اللّه الأصناف مرّة أخرى في ذيل : هذه السّورة في ( 88 - 94 ) دون ذكر الأوّلين والآخرين ، فقال :
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ .
بيد أنّه عبّر فيها بدل ( أصحاب الشّمال ) ب ( المكذّبين الضّالّين ) .
أمّا في وسط السّورة فكرّرت ( ثلّة ) وصفا لأصحاب اليمين ، حيث قال :
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
ثمّ ذكر حال أصحاب الشّمال .
ثانيا : جاءت ( ثلّة ) في الأولى - وهي وصف لحال المقرّبين - مرّة واحدة مقابلة
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ،
فهي ظاهرة في الجماعة الكثيرة كما استظهره الزّمخشريّ ، أي أنّ المقرّبين صنفان : جماعة كثيرة من الأوّلين ، وجماعة قليلة من الآخرين . أمّا في الثّانية فكلاهما وصف لأصحاب اليمين دون مجيء ( قليل ) فيهما ، فهما سيّان ؛ قليلين كانوا أو كثيرين ، أي أنّ أصحاب اليمين منهم جماعة من الأوّلين ، وجماعة من الآخرين ، وبذلك يبدو أنّ بين المقرّبين وبين أصحاب اليمين تفاوتا بالنّسبة إلى ( الآخرين ) ، فهم قليل من المقرّبين ، وكثير من أصحاب اليمين ، مثل الأوّلين منهم .