تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
ثالثا : هناك خلاف بينهم في تفسير ( الاوّلين ) و ( الآخرين ) في الآيتين ، فالأكثر حملوا ( الاوّلين ) في الآية الأولى على الأمم السّابقة ، و ( الآخرين ) على هذه الأمّة . فقالوا : إنّ السّابقين منهم أكثر من السّابقين من هذه الأمّة ، وردّ الفخر الرّازيّ هذا الرّأي بأنّه خلاف ما وعده اللّه في هذه الأمّة من الكرامة . وبعض جعلهم جميعا من هذه الأمّة ، فالسّابقون من المهاجرين والأنصار والتّابعين لهم بإحسان لهم الدّرجة العليا بالنّسبة إلى الّذين بعدهم من المؤمنين . فقلّ فيهم من يوازي أولئك ، كيف وقد جاء فيهم :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
التّوبة : 100 ، و
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
الحديد : 10 . ويشهد على هذا الوجه ما سبق منّا أنّ الأصناف الثّلاثة في هذه الأمّة هم المخاطبون بقوله :
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ،
وهي خطاب للمسلمين دون الأمم الأخرى . وقال محمّد جواد مغنيّه : « إنّ ( الاوّلين ) إشارة إلى عصر الإسلام الذّهبيّ ، يوم كان له قوّة وسلطان ، وكان المؤمنون يؤمنون به قولا وعملا ويدافعون عنه بالأرواح والأموال . وأنّ ( الآخرين ) إشارة إلى القلّة القليلة من المؤمنين في العصور المتأخّرة » . ونقول : الشّطر الأوّل منه ترحيب بأولئك الّذين حملوا لواء الإسلام على عواتقهم في القرون الأولى بعد الهجرة ، ونشروا هذا الدّين شرقا وغربا ، وهم جمهور المسلمين عامّة ، دون فريق منهم خاصّة ، ولكنّ كثيرا من أهل مذهبه لا يرضون بهذا التّرحيب والتّقريب ، فيدينون أولئك بما نعلم منهم ونقرأ . وكيف كان ، فما قاله في الشّطر الأوّل حقّ ، وأمّا الشّطر الثّاني من كلامه فإيئاس من اللّاحقين ، وأنّى نعلم ما ذا سيحدث فيما بعد ؟ ولا سيّما مع البشارة الأكيدة في الكتاب والسّنّة بغلبة هذا الدّين على غيره من الأديان ، ولا سيّما في عصر الإمام المهديّ عليه السّلام ؛ حيث يملأ اللّه به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا . ونحن وإن نوافقه على التّرحيب بالأوّلين وعلى هذا القصور - بل التّقصير - في المتأخّرين من المسلمين ، لكنّنا لا نوافقه على حمل الآية عليهم . هذا كلّه في الآية الأولى ، أمّا الآية الثّانية فكلا الثّلّتين فيها تفسير لأصحاب اليمين كما تقدّم ، وإن وقع بينهم خلاف فيهما أيضا في أنّهما من هذه الأمّة ، استنادا إلى قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « هما جميعا من أمّتي » . أو أنّ ( الاوّلين ) خاصّ بالأمم السّابقة ، و ( الآخرين ) خاصّ بهذه الأمّة ، وهو مرويّ أيضا عن بعض الأئمّة عليهم السّلام . والأقرب عندنا هو الأوّل ، لأنّ سياق السّورة - من أوّلها إلى آخرها - خطاب للمسلمين ، ولا مانع من وجود هذه الأصناف الثّلاثة في الأمم الأخرى أيضا ، بل هذا أمر طبيعيّ ، فالتّفاوت بين النّاس في كلّ زمان موجود . رابعا : جاء تفسير « ثلّة » في النّصوص بالكثرة والقلّة معا ، وهي في الأصل بمعنى الجمع والمجموع ، وهو إلى الكثرة أقرب من القلّة ، إلّا أنّه لم تؤخذ « الكثرة » في
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 526 | مجمع البحوث الاسلامية