لما كان المولود من مريم مختصّا بحلول الكلمة دون غيره ، ولم يقولوا به .
الرّابع : أنّ الملكانيّة متّفقون على أنّ القتل وقع على اللّاهوت والنّاسوت ، ولو كان ناسوت المسيح كلّيّا لما تصوّر وقوع الجزئيّ عليه .
وأمّا ما ذهب إليه نسطور : من أنّ الأقانيم ثلاثة ، فالكلام معه في الحصر على طرز ما تقدّم ، وقوله : ليست عن ذاته ولا غير ذاته ، فإن أراد بذلك ما أراد به الأشعريّ في قوله : إنّ الصّفات لا عين ولا غير فهو حقّ ، وإن أراد غيره فغير مفهوم . وأمّا تفسيره العلم بالكلمة ، فالنّزاع معه - في هذا الإطلاق - لفظيّ ، ثمّ لا يخلو إمّا أن يريد بالكلمة : الكلام النّفسيّ أو الكلام اللّسانيّ ، والكلام في ذلك معروف . وقوله : إنّ الكلمة اتّحدت بالمسيح ، بمعنى أنّها أشرقت عليه ، لا حاصل له ، لأنّه إمّا أن يريد بإشراق الكلمة عليه عليه السّلام ما هو مفهوم من مثاله ، وهو أن يكون مطرحا لشعاعها عليه ، أو يريد أنّها متعلّقة به كتعلّق العلم القديم بالمعلومات ، أو يريد غير ذلك . فإن كان الأوّل يلزم أن تكون الكلمة ذات شعاع .
وفي جهة من مطرح شعاعها ، ويلزم من ذلك أن تكون جسما ، وأن لا تكون صفة للجوهر القديم وهو محال . وإن كان الثّاني فهو حقّ غير أنّ تعلّق الأقنوم بالمسيح بهذا التّفسير لا يكون خاصّة ، وإن كان الثّالث فلابدّ من تصويره ليتكلّم عليه .
وأمّا قول بعض النّسطوريّة : إنّ كلّ واحد من الأقانيم الثّلاثة إله حيّ ناطق ، فهو باطل بأدلّة إبطال التّثليث . وأمّا من أثبت منهم للّه تعالى صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوهما فقد أصاب ، خلا أنّ القول بإخراجها عن كونها من الأقانيم مع أنّها مشاركة لها في كونها من الصّفات تحكّم بحت ، والفرق الّذي يستند إليه باطل كما علمت .
وأمّا قولهم : إنّ المسيح إنسان تامّ وإله تامّ ، وهما جوهران : قديم وحادث ، فطريق ردّه من وجهين :
الأوّل : التّعرّض لإبطال كون الأقنوم المتّحد بجسد المسيح إلها ؛ وذلك بأن يقال : إمّا أن يقولوا : بأنّ ما اتّحد بجسد المسيح هو إله فقط أو أنّ كلّ أقنوم إله ، كما ذهبت إليه الملكانيّة ، فإن كان الأوّل : فهو ممتنع لعدم الأولويّة ، وإن كان الثّاني : فهو ممتنع أيضا لما تقدّم .
الثّاني : أنّه إذا كان المسيح مشتملا على الأقنوم والنّاسوت الحادث ، فإمّا أن يقولوا : بالاتّحاد ، أو بحلول الأقنوم في النّاسوت ، أو حلول النّاسوت في الأقنوم ، أو أنّه لا حلول لأحدهما في الآخر ، فإن كان الأوّل فهو باطل بما سبق في إبطال الاتّحاد ، وإن كان الثّاني فهو باطل بما يبطل حلول الصّفة القديمة في غير ذات اللّه تعالى ، وحلول الحادث في القديم ، وإن كان الثّالث ، فإمّا أن يقال :
بتجاورهما واتّصالهما أو لا ، فإن قيل بالأوّل فإمّا أن يقال : بانفصال الأقنوم القديم عن الجوهر الحادث أو لا يقال به ، فإن قيل بالانفصال فهو ممتنع لوجهين : الأوّل ما يدلّ على إبطال انتقال الصّفة عن الموصوف ، الثّاني أنّه يلزم منه قيام صفة حال مجاورتها للنّاسوت بنفسها وهو محال .
وإن لم يقل بانفصال الأقنوم عن الجوهر القديم ، يلزم منه أن يكون ذات الجوهر القديم متّصلة بجسد
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 464
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٤٦٤