كلّ عصا ، فاقدة أيّ خصلة خارقة للعادة :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى . . .
طه : 17 .
وهي نكتة عريقة في البلاغة ، لم ترد في « القصص » و « النّمل » ، وجاء فيها بدل
كَأَنَّها جَانٌّ *
قوله :
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ،
وسنتناولهما بالبحث في « ثعبان » .
وجاء في شأن خوف موسى
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ،
وفيه اطمئنان وتسكين أكثر لموسى ؛ حيث أعادها إلى سيرتها الأولى . وجاء في شأن اليد البيضاء بدل
اسْلُكْ يَدَكَ
و
أَدْخِلْ يَدَكَ
قوله :
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
[ لاحظ « البيضاء » ] وفيها إضافة
لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى .
الموقف الثّاني : جاء مرّتين في « الأعراف » و « الشّعراء » ، حيث أعلن موسى برسالته أمام فرعون فأنكرها ، فأخبره بأنّ له آية على رسالته بألفاظ متفاوتة ، فأذن فرعون له تشكيكا فيها
فَأْتِ بِها
( أو به )
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .
ثمّ تلتهما جملتان متجانستان ، متشابهتان تماما وصارمتان في شأن العصا واليد البيضاء :
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ . *
وكأنّ هذا التّعبير الجازم فيهما ردّ ومقابلة لتشكيك فرعون في صدق موسى بقوله :
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . *
وفيهما تلاحم في المعنى بين
ثُعْبانٌ مُبِينٌ *
و
بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ، *
فإنّ « المبين » هو الأمر الواضح للعيان ، مثل :
بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ . *
الموقف الثّالث : جاء ثلاث مرّات في ثلاث سور :
الأعراف وطه والشّعراء بتفاوت كبير :
أ - ففي « الأعراف » و « طه » قال السّحرة لموسى : إمّا أن تلقي أنت أوّلا ، أو نلقي نحن ، فقال لهم : بل ألقوا أنتم أوّلا . أمّا في « الشّعراء » فاكتفى بقوله :
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ . *
ب - وفي « الأعراف » :
فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ،
وفي « طه » :
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ،
وفي « الشّعراء » :
فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ .
ج - وفي « طه » :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ،
ولم يأت حديث خوف موسى في الأعراف والشّعراء .
د - واشتركت الشّعراء والأعراف في قوله :
فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ، *
واختصّت « طه » بقوله :
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ،
لاحظ « ل ق ف » و « ص ن ع » .
ثالثا : حول هذه الآيات بحوث :
الأوّل : جاء في آيتين
كَأَنَّها جَانٌّ ، *
وفي آية
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ،
وفي آيتين
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ . *
فقالوا : إنّ الجانّ حيّة صغيرة ، والثّعبان : حيّة كبيرة ، واكتفى أكثرهم باختلاف آيات الجانّ والثّعبان ، وضمّ بعضهم إليها آية
حَيَّةٌ تَسْعى .
وقد أطالوا البحث فيها ، فاعترف بعضهم باختلاف الموقفين ، ولم يعترف به بعض آخر . وجملة ما ذكروه من الوجوه :
1 - إنّها كانت كالجانّ في خفّة الحركة ، وكالثّعبان في