تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
ذلك اليوم أربعمئة مرّة ، وأنّ الثّعبان كان ذكرا أشقر فاغرا فاه ، وله عرف كعرف الفرس . . . وأنّ النّاس انهزموا منه ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ، وقتل بعضهم بعضا ونحوها . وقد ملأت - مع الأسف - أمثال هذه الأساطير حول القصص القرآنيّة التّفاسير ، وشغلت القصّاص والوعّاظ ، أنسوا واهتمّوا بها طوال ألف سنة أو أكثر . وأوّل من شكّك فيها - فيما عندنا من التّفاسير - أبو حيّان ، وتبعه رشيد رضا والمراغيّ ، وغيرهما من المعاصرين . الثّالث : تعرّض الفخر الرّازيّ لشبهة الطّبيعيّين باستحالة انقلاب العصا ثعبانا ، لأنّها خلاف الطّبيعة ، وقد أجاب عنها . وهذه الشّبهة لا تختصّ بالطّبيعيّين المنكرين للّه ، بل هي مطروحة عند الفلاسفة الإلاهيّين وبعض المتكلّمين الّذين التزموا النّظام الجبريّ للعالم ، وأنكروا مشيئة اللّه كصفة فعليّة له ، وقد أصرّ القرآن عليها في آيات ، مثل :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
البقرة : 253 ، و
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
الرّعد : 39 ، لاحظ « ش ي أ » و « رود » . الرّابع : ذكر الخازن وغيره في
ثُعْبانٌ مُبِينٌ *
أنّها أبانت صدق قول موسى ، ففسّرها متعدّية ، وقد قلنا : إنّ « مبينا » في القرآن بمعنى الواضح الظّاهر ، وأنّ « بان » و « أبان » لازمان ، لاحظ « ب ي ن » . الخامس : جاء في آيات الموقف الأوّل - وهي تحمل بداية تجربة موسى للعصا - حديث خوف موسى ، وأنّه ولّى ولم يعقّب . وهذا دليل على أنّ المعجزات ليست من فعل الأنبياء ، بل هي من فعل اللّه ، تحدث على أيدي الأنبياء بمشيئة اللّه تعالى ، وهذا ما نسبه أمين الإسلام الطّبرسيّ في تفسيره ( مجمع البيان ) إلى أصحابنا الإماميّة . السّادس : جاء الموقف الأوّل والأخير ثلاث مرّات ، والموقف الثّاني مرّتين ، بقدر الاهتمام بهذه المواقف ، فإنّ موقف تجربة موسى وإبطال سحر السّحرة أهمّ من موقف الاحتجاج أمام فرعون ، كما لا يخفى . السّابع : جاء خوف موسى من سحر السّحرة وردع اللّه إيّاه ، ووعده الغلبة عليهم ، وأنّهم صنعوا سحرا ، ولا يفلح السّاحر أبدا ، في ( طه : 70 ) فقط :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى .
ولم يأت حديث الخوف في الأعراف ، كأنّه فيها أمر هيّن لا يهتمّ بذكره . الثّامن : جاء في « طه » :
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ
أي إلى موسى
مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ،
فعرّضه للخوف . أمّا في « الأعراف » فجاء مكان خوف موسى خوف النّاس :
فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ .
فيبدو أنّ اللّه قسّم الخوفين على السّورتين ، إلّا أنّ خوف موسى كان أقلّ من خوف النّاس بكثير ، فلم يكن سوى إيجاس الخوف في نفسه ، أمّا النّاس فقد سحروا أعينهم واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ، وهذا هو الفارق بين نبيّ اللّه موسى - وهو بشر - وبين سائر النّاس . التّاسع : يفهم من سياق الآيات أنّ سحرهم لم يكن سوى التّمثيل في النّفوس والتّعمية في الأبصار . ولم يكن