تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
عظم الجسم ، وأمّا الحيّة فاسم جنس ينطبق عليهما . 2 - إنّها كانت كالجانّ في أوّل أمرها ، ثمّ انقلبت تدريجيّا إلى ثعبان . 3 - إنّ المراد من « الجانّ » الجنّ ، لقوله تعالى :
وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ
الحجر : 27 ، فلاحظ النّصوص ، ولا سيّما نصّ الشّريف المرتضى والفخر الرّازيّ . والحقّ أنّ المواقف الثّلاثة مختلفة ، فجاء في آيات الموقف الأوّل
كَأَنَّها جَانٌّ *
مرّتين ، و
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
مرّة . وجاء في آيات الموقف الثّاني
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ *
مرّتين ، ولم يذكر في آيات الموقف الثّالث « جانّ » و « ثعبان » و « حيّة » ، سوى
تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ *
أو
تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
فينبغي أن يركّز البحث فيها حول سرّ اختلاف التّعبير في هذه المواقف . كان المغزى في الموقف الأوّل هو التّعريف والتّجريب لموسى من قبل اللّه ، دون الاحتجاج والتّخويف ، فلوحظ فيه اللّين في الكلام
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ *
مرّتين في النّمل والقصص ، وترتيبهما ( 48 ) و ( 49 ) من السّور المكّيّة ، تركيزا لرؤية موسى إيّاها
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ ، *
دون أن يقول : « فإذا هي جانّ » وشتّان ما بين التّعبيرين لينا وشدّة . وجاء شيء من الشّدّة في آية « طه » ، وترتيبها ( 45 ) من المكّيّات حسب قائمة السّور الّتي بين أيدينا ، وهي مقدّمة على هاتين السّورتين :
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى .
ومعلوم أنّ في هذا التّعبير تشديدا وتهويلا ، ليس في تلك الآيتين لأمرين : الإتيان بجملة اسميّة - بدل التّشبيه - تحمل المفاجأة ، والإتيان ب
حَيَّةٌ تَسْعى
بدل
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ . *
ف
حَيَّةٌ تَسْعى
تمثيل بأنّها أعظم جسما وأشدّ تحرّكا وهولا من
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ ، *
فكأنّ اللّه صوّر لنا في « طه » - وهي مقدّمة نزولا على النّمل والقصص - بداية حال موسى ؛ حيث فاجأته حيّة تسعى ، ثمّ مثّل لنا حالته بعد الاستئناس بها وسكونه إليها ، في سورتين متتاليتين - النّمل والقصص - بأنّه رآها تهتزّ كأنّها جانّ . وكان المغزى في الموقف الثّاني هو الاحتجاج والتّخويف لفرعون ، فجاء في جملة اسميّة صارمة مفاجئة
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ *
في سورتي الأعراف والشّعراء المرقّمتين ( 39 ) و ( 47 ) من المكّيّات ، ومعلوم أنّ هذا التّعبير أشدّ تمثيلا وهولا ممّا سبق في الموقف الأوّل . أمّا المغزى في الموقف الثّالث فلم يكن تجريبا ولا احتجاجا وتخويفا ، بل مجابهة وإبطالا لسحر السّحرة ، دون الاعتبار بتمثيل العصا حيّة أو ثعبانا ، فجاءت النّتيجة في جملة اسميّة جازمة مفاجئة
فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ *
أو ( ما يصنعون ) ، لاحظ « أف ك » ، و « ص ن ع » . الثّاني : جاءت في شأن الثّعبان مبالغات في التّفاسير ، يظنّ أنّها إسرائيليّة ، ليست في القرآن ولم تنقل في حديث صحيح ، بل استندت إلى أمثال وهب بن منبّه وكعب الأحبار ، وغيرهما من أهل الكتاب الّذين قيل في شأنهم : إنّهم كانوا يكيدون للإسلام بهذه الأساطير ، مثل أنّ الثّعبان وضع فكّه الأعلى فوق القصر وفكّه الأسفل تحت القصر ، وأنّ فرعون فرّ وأحدث وأخذه البطن في
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 351 | مجمع البحوث الاسلامية