ثانيا : تلحظ في هذه الآيات وتتكشّف منها أمور :
1 - إنّها جميعا مكّيّة ، جاءت إقناعا للمشركين الّذين طلبوا من النّبيّ الإتيان بآيات ومعجزات سوى القرآن . وكان يجيبهم بأنّ الآيات عند اللّه ، وأنّه قادر على الإتيان بها ، كما أتى بها للأمم السّابقة ، إلّا أنّه اختار لي القرآن آية على أنّ معظم القصص القرآنيّة حول الأنبياء جاءت في المكّيّات ، إقناعا للمشركين بمكّة ، وهم الرّعيل الأوّل من المنكرين للنّبوءات عامّة ، ولنبوّة نبيّنا عليه السّلام خاصّة .
2 - إنّه كان لموسى عليه السّلام في آيتي العصا واليد البيضاء ثلاثة مواقف في ثلاث طوائف من الآيات ، بهذا التّرتيب :
أ - موقف التّعريف والتّجربة في الطّور أمام اللّه ، جاء في الطّائفة الأخيرة من الآيات ثلاث مرّات .
ب - موقف الإجراء والاحتجاج أمام فرعون ، جاء في الطّائفة الأولى منها مرّتين .
ج - موقف المجابهة لسحر السّحرة أمام الجمهور ، جاء في الطّائفة الوسطى ثلاث مرّات .
3 - وها نحن نوضّح القول في هذه المواقف الثّلاثة :
الموقف الأوّل :
أ - جاء عقيب رؤية موسى النّار على الشّجرة في الوادي الأيمن من الطّور ، وأنّه نودي منها ، وأنّ اللّه عرّف نفسه بدء لموسى في « القصص » ب
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ،
وفي « النّمل » :
إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ،
وفي طه ( 12 - 14 ) :
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي .
ممّا ينبئ بأنّ اللّه تعالى وصف نفسه بهذه الأوصاف جميعا ، وفرّقها على السّور الثّلاث . أو هي نقل بالمعنى وبالإجمال والتّفصيل لنكات بلاغيّة ، وما أكثره في القرآن ! ولا سيّما في قصص الأنبياء ، [ لاحظ بحث القصص من « المدخل » ] فركّز - في القصص - إجمالا أنّه ربّ العالمين ، وفي « النّمل » أنّه العزيز الحكيم ، وفي « طه » تفصيلا
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ،
فاعرف موقفك أمامي وفي الموضع الّذي أنت فيه ، وهو الوادي المقدّس ، وأنّني
أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى .
ثمّ قال :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ . . . ،
مع ما فيها من التّأكيد والتّفصيل ، إضافة إلى ما جاء في « القصص » و « النّمل » .
ب - ثمّ تلاها في السّورتين مباشرة حديث إلقاء موسى عصاه ، بألفاظ متقاربة « وألق » أو
أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ .
ثمّ اختلفتا في حديث خوف موسى ، ففي « القصص » :
يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ،
وفي « النّمل » :
يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ . . . .
ج - ثمّ تلاهما حديث اليد البيضاء بتفاوت ، مثل :
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
و
أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ،
[ لاحظ « البيضاء » من ( ب ي ض ) ] مع إضافة في « النّمل » :
فِي تِسْعِ آياتٍ ،
وقد جاء فيهما في تبديل العصا :
كَأَنَّها جَانٌّ .
أمّا في « طه » فهذه التّجربة بدأت بأخذ الاعتراف من موسى ، في وصف عصاه بأوصاف عاديّة توجد في