الطّبيعة توجد من التّراب ؛ والأخشاب والنّباتات هي الأخرى من التّراب . غاية ما هنالك أنّ تبديل التّراب إلى حيّة عظيمة يحتاج عادة إلى ملايين السّنين ، ولكن في ضوء الإعجاز تقصر هذه المدّة قصرا كبيرا حتّى تتحقّق كلّ تلك التّحوّلات والتّكاملات في لحظة واحدة وبسرعة ، وبصورة متلاحقة جدّا ، فتتّخذ القطعة من الخشب - الّتي تستطيع وفق الموازين الطّبيعيّة أن تغيّر بهذه الصّورة بعد مضيّ ملايين السّنين - تتّخذ مثل هذه الصّورة في عدّة لحظات .
والّذين يحاولون أن يجدوا لمعاجز الأنبياء تفسيرات طبيعيّة ومادّيّة ، وينفوا طابعها الإعجازيّ ، ويظهروها في صورة سلسلة من المسائل العاديّة ، مهما كانت هذه التّفاسير مخالفة لصريح الكتب السّماويّة ، إنّ هؤلاء يجب أن يوضّحوا موقفهم : هل هم يؤمنون باللّه وقدرته ويعتبرونه حاكما على قوانين الطّبيعة أم لا ؟ فإذا كانوا لا يعتبرونه كذلك لم يكن كلام الأنبياء ومعجزاتهم إلّا لغوا لديهم . وإذا كانوا يعتبرون لم يكن ثمّة دليل على نحت مثل هذه التّفسيرات والتّبريرات المقرونة بالتّكلّف والمخالفة لصريح الآيات القرآنيّة . وإن لم نر أحدا من المفسّرين - على ما بينهم من اختلاف السّليقة - عمد إلى هذا التّفسير المادّيّ ، ولكن ما قلناه قاعدة كلّيّة .
( 5 : 131 )
2 -
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ .
الشّعراء : 32
ابن عبّاس : حيّة صفراء ذكر . ( 307 )
يقال : ( مبين ) له خلق حيّة . ( الطّبريّ 19 : 71 )
ومعنى ( مبين ) أنّه ثعبان لا شبهة فيه .
( الطّوسيّ 8 : 17 )
النّقّاش : أنّه اعتمّ الحيّات الصّفر ، شعراء العنق .
( الماورديّ 4 : 169 )
الشّريف المرتضى : إن سأل سائل فقال :
ما تقولون في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام :
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ،
وقال في موضع آخر :
وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ
القصص : 31 ، والثّعبان هو الحيّة العظيمة الخلقة ، والجانّ : الصّغير من الحيّات ، فكيف اختلف الوصفان والقصّة واحدة ؟ وكيف يجوز أن تكون ( العصا ) في حالة واحدة من صفة ما عظم خلقه من الحيّات وبصفة ما صغر منها ؟ وبأيّ شيء تزيلون التّناقض عن هذا الكلام ؟
الجواب : أوّل ما نقوله : إنّ الّذي ظنّه السّائل من كون الآيتين خبرا عن قصّة واحدة باطل ، بل الحالتان مختلفتان ، فالحال الّتي أخبر عن ( العصا ) فيها بصفة الجانّ كانت في ابتداء النّبوّة ، وقبل مصير موسى عليه السّلام إلى فرعون ، والحال الّتي صارت العصا فيها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرّسالة ، والتّلاوة تدلّ على ذلك ، وإذا اختلفت القصّتان فلا مسألة .
على أنّ قوما من المفسّرين قد تعاطوا الجواب عن هذا السّؤال ، إمّا لظنّهم أنّ القصّة واحدة ، أو لاعتقادهم أنّ العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب في حالتين ، تارة إلى صفة الجانّ ، وتارة إلى صفة الثّعبان ، أو على سبيل الاستظهار في الحجّة ، وأنّ الحال لو كانت واحدة على