تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
وينتقل من مكان إلى آخر ، تراه الأعين من غير أن يسحرها ساحر ، فيخيّل إليها أنّها تسعى ، كما سيأتي من أعمال سحرة فرعون . ( 9 : 44 ) المراغيّ : [ نحو رشيد رضا وأضاف : ] وقد ذكر رواة التّفسير بالمأثور روايات غاية في الغرابة في وصف الثّعبان ، ليس لها سند يوثق به ، وما هي إلّا إسرائيليّات تلقّفها المفسّرون من أهل الكتاب الّذين كانوا يكيدون للإسلام وللعرب ، كروايات وهب بن منبّه ، وهو فارسيّ الأصل أخرج كسرى والده إلى بلاد اليمن ، فأسلم في زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان ابنه من بعده يختلف إلى بلاده بعد فتحها ، ومثله روايات كعب الأحبار الإسرائيليّ ، وقد كان كلاهما كثير الرّواية للغرائب الّتي لا يعرف لها أصل معقول ولا منقول ، وقومهما كانوا يكيدون للمسلمين الّذين فتحوا بلاد الفرس وأجلوا اليهود من الحجاز . [ ثمّ تعرّض لما صدر : من الفرس واليهود ومن عبد اللّه بن سبأ من الفتن للإسلام وفي بعض ما ذكره نظر فلاحظ ] ( 9 : 25 ) الطّباطبائيّ : والثّعبان : الحيّة العظيمة ، ولا تنافي بين وصفه هاهنا بالثّعبان المبين وبين ما في موضع آخر من قوله تعالى :
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ
القصص : 31 ، والجانّ هي الحيّة الصّغيرة لاختلاف القصّتين كما قيل . فإنّ ذكر الجانّ إنّما جاء في قصّة ليلة الطّور ، وقد قال تعالى فيها في موضع آخر :
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
طه : 20 وأمّا ذكر الثّعبان فقد جاء في قصّة إتيانه لفرعون بالآيات حين سأله ذلك . ( 8 : 213 ) مكارم الشّيرازيّ : والتّعبير ب « المبين » إشارة إلى أنّ تلك العصا الّتي تبدلّت إلى ثعبان حقّا ، ولم يكن سحرا وشعبذة وما شاكل ذلك . على العكس من فعل السّحرة الّذي فعلوه فيما بعد ، لأنّه يقول في شأنهم : إنّهم مارسوا الشّعبذة والسّحر ، وعملوا ما تصوّره النّاس حيّات تتحرّك ، وما هي بحيّات حقيقة وواقعا . إنّ ذكر هذه النّقطة أمر ضروريّ ، وهي أنّنا نقرأ في الآية ( 10 ) من سورة النّمل ، والآية ( 31 ) من سورة القصص ، أنّ العصا تحرّكت كالجانّ ، و « الجانّ » هي الحيّات الصّغيرة السّريعة السّير ، وإنّ هذا التّعبير لا ينسجم مع عبارة « ثعبان » الّتي تعني الحيّة العظيمة ظاهرا . ولكن مع الالتفات إلى أنّ تينك الآيتين ترتبطان ببداية بعثة موسى ، والآية المبحوثة هنا ترتبط بحين مواجهته لفرعون ، تنحلّ المشكلة ، وكأنّ اللّه أراد أن يوقف موسى على هذه المعجزة العظيمة تدريجا ، فهي تظهر في البداية أصغر ، وفي الموقف اللّاحق تظهر أعظم .

هل يمكن قلب العصا إلى حيّة عظيمة ؟ !

على كلّ حال لا شكّ في أنّ تبديل « العصا » إلى حيّة عظيمة معجزة ، ولا يمكن تفسيرها بالتّحليلات المادّيّة المتعارفة ، بل هي من وجهة نظر الإلهيّ الموحّد - الّذي يعتبر جميع قوانين المادّة محكومة للمشيئة الرّبّانيّة - ليس فيها ما يدعو للعجب ، أي لامكان لاستغراب أن تتبدّل قطعة من الخشب إلى حيوان ، وهذا الأمر شيء طبيعيّ في ظلّ قدرة عمليّا . ولكن يجب أن لا ننسى أنّ جميع الحيوانات في عالم
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 343 | مجمع البحوث الاسلامية