والظّرف هذا الظّرف : هو عزيز مصر ، أوتي النّبوّة والحكم وعلّم الأحاديث ومعه أخوه ، وهم أذلّاء بين يديه : معترفون بالخطيئة . وأنّ اللّه آثره عليهم بالرّغم من قولهم أوّل يوم :
لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يوسف : 8 .
( 11 : 237 )
عبد الكريم الخطيب : أي لا لوم عليكم ، ولا مذمّة منذ اليوم ، فقد بلغ الأمر بي وبكم غايته ، وانتهى إلى تلك النّهاية المسعدة الّتي تستوجب منّا جميعا حمد اللّه وشكره . ( 7 : 42 )
ابن عاشور : والتّثريب : التّوبيخ والتّقريع .
والظّاهر أنّ منتهى الجملة هو قوله : ( عليكم ) لأنّ مثل هذا القول ممّا يجري مجرى المثل ، فيبنى على الاختصار ، فيكتفي ب
لا تَثْرِيبَ
مثل قولهم : لا بأس ، وقوله تعالى :
لا وَزَرَ
القيمة : 11 . ( 12 : 114 )
مكارم الشّيرازيّ : أي أنّ العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم ، اطمئنّوا وكونوا مرتاحي الضّمير ، ولا تجعلوا للآلام والمصائب السّابقة منفذا إلى نفوسكم ، ثمّ لكي يبيّن لهم أنّه ليس وحده الّذي أسقط حقّه وعفا عنهم ، بل إنّ اللّه سبحانه وتعالى أيضا عفا عنهم حينما أظهروا النّدامة والخجل ، قال لهم :
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .
( 7 : 258 )
فضل اللّه : أي لا عقوبة ولا تعنيف بل المسامحة والعفو ، والاستغفار لكم والابتهال إلى اللّه أن يعفو عنكم ، وسيستجيب اللّه منّي ذلك . ( 12 : 262 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة : الثّرب ، وهو شحم رقيق يغشّي الكرش والأمعاء ، والجمع : ثروب وأثرب وأثارب ، يقال : شاة ثرباء ، أي عظيمة الثّرب .
والثّرب أيضا : أرض حجارة كحجارة الحرّة إلّا أنّها بيض ، وهذا تشبيه بلون الثّرب .
2 - ثمّ استعملوا « الثّرب » في اللّوم والإفساد ، لأنّهم كانوا إذا أزروا بأحد ونقموا عليه ، ألقوا عليه الثّرب والشّلو والرّحم وغيرها . وقد فعل ذلك أهل مكّة بنبيّنا صلّى اللّه عليه وآله في بدء الدّعوة ؛ إذ ذكر ابن هشام في السّيرة :
« فكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه صلّى اللّه عليه وسلّم رحم الشّاة وهو يصلّي « 1 » » .
ولذا عدّيت جميع أفعال هذه المادّة ب « على » ، يقال :
ثرب علينا يثرب ثربا ، أي وبّخ وأفسد فهو ثارب .
وأثرب فلان وثرّب على فلان : وبّخه فهو مثرّب ، يقال :
« لا تثريب عليك » وهذا الاستعمال مجازيّ .
وأمّا « الثّربان » بمعنى الأصابع ، فأصله « التّاء » ، أي التّربات ، جمع تربة ، انظر « ت ر ب » .
الاستعمال القرآنيّ
جاء لفظ واحد من هذه المادّة في سورة مكّيّة :
قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
يوسف : 92
يلاحظ أوّلا : أنّ كلمة ( تثريب ) هي الوحيدة الّتي جاءت عقيب قصّة قرآنيّة منفردة في القرآن ، وبعد
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام ( 2 : 57 ) .