ثانيا : كلتا الآيتين مدنيّة متعلّقة بالحرب والقتال ، ونحن نعلم أنّ المدينة كانت بعد الهجرة دار الحرب والدّعوة معا . أمّا مكّة فكانت دار الدّعوة فقط ، ولم تكن دار حرب ، لأنّ السّلطة فيها كانت للمشركين دون المسلمين ، فلم يأذن اللّه فيها بالقتال ، بل أمر النّبيّ والمسلمين فيها بالصّبر والانتظار في عدّة آيات .
ثالثا : جاء فعل « الإثخان » فيهما مرّتين : مضارعا في ( 1 ) :
يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
دون مفعول ، مع
فِي الْأَرْضِ
ظرفا له ، وفاعله الضّمير الرّاجع إلى النّبيّ ، وماضيا في ( 2 ) : ( أثخنتموهم ) ، وفاعله المؤمنون ، ومفعوله الكفّار ، فجاء الفعلان فيهما بتفاوت ملحوظ ، له دخل في المعنى .
وبيان ذلك أنّ « الإثخان » - كما سبق - لا يعني القتل أو الإكثار في القتل ، كما زعمه بعضهم ، بل أصله الثّقل في الأرض ، أي ملازمتها . والثّقل - كالجرح والمرض - سبب للثّخونة ، كما قال :
فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ،
فالإثخان فيها نهاية لضرب الرّقاب وغايته ، وليس عينه . فمعنى ( أثخنتموهم ) غلبتموهم حتّى أثخنوا في الأرض ، وسلبت منهم القدرة على الحرب والمقاومة .
أمّا « الإثخان » في ( 1 ) فيحتمل هذا المعنى ، أي ليس لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن عدوّه في الأرض ، فحذف المفعول ، وأضيف إليه ( في الأرض ) توضيحا لما يستفاد من نفس الفعل .
ويحتمل معنى آخر - وهو أولى بالسّياق - أي حتّى يثقل النّبيّ ، ويتمكّن في الأرض ، وتستقرّ له الغلبة فيها .
وهذا عكس الأوّل فلوحظ الفعل في الأوّل متعدّيا وأريد به الغلبة على الأعداء ، وفي الثّاني لازما وأريد به تمكّن النّبيّ في الأرض .
غير أنّ النّتيجة واحدة ، وهي أنّه لا يجوز اتّخاذ الأسرى في ساحة القتال ، إلّا بعد إضعاف العدوّ وسيطرة المؤمنين عليه ، واستقرارهم في الأرض .
رابعا : وبهذا ظهر توافق الآيتين مغزى ومعنى توافقا تامّا ، كما صرّح به غير واحد منهم . وقد بسط السّيّد قطب القول فيه ، إلّا أنّ هناك قولا باختلافهما ، قال الطّبرسيّ ( 5 : 97 ) ما خلاصته : « قيل : كان الأسر محرّما بآية الأنفال ، ثمّ أبيح بهذه الآية « آية محمّد » ، لأنّ هذه السّورة نزلت بعدها .
والمرويّ عن أئمّة الهدى صلوات الرّحمان عليهم :
« أنّ الأسارى ضربان : ضرب يؤخذون قبل انتهاء القتل - والحرب قائمة - وضرب يؤخذون بعد أن تضع الحرب أوزارها ، وينتهي القتال . فالإمام يخيّر في الأوّل بين قتلهم وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويتركهم حتّى ينزفوا ، وفي الثّاني بين المنّ والفداء . . . »
ويستفاد من رشيد رضا : أنّ آية الأنفال تمنع الأسر قبل « الإثخان » ، وآية محمّد تجيزه بعد « الإثخان » ، فهو قريب ممّا اخترناه ، ولكن يلوح منه الاختلاف فلاحظ ، وتمام الكلام في « الأسرى » من « أس ر » .