مكانه ولا يقدر على الحركة ، يقال : أثخنه المرض ، إذا أضعفه وأثقله ، وسلب اقتداره على الحركة . ( 3 : 373 )
الآلوسيّ : [ نحو البروسويّ وأضاف : ]
وقيل : إنّ الاستعارة مبنيّة على تشبيه المبالغة المذكورة بالثّخانة ، في أنّ في كلّ منهما شدّة في الجملة ، وذكر في « الأرض » للتّعميم ، وقرئ ( يثخّن ) بالتّشديد للمبالغة في المبالغة . ( 10 : 33 )
رشيد رضا : ما كان من شأن نبيّ من الأنبياء ، ولا من سنّته في الحرب أن يكون له أسرى يتردّد أمره فيهم بين المنّ والفداء إلّا بعد أن يثخن في الأرض ، أي حتّى يعظم شأنه فيها ويغلظ ويكثف بأن تتمّ له القوّة والغلب ، فلا يكون اتّخاذه الأسرى سببا لضعفه أو قوّة أعدائه وهو في معنى قول ابن عبّاس رضي اللّه عنه : حتّى يظهر على الأرض ، وقول البخاريّ : حتّى يغلب في الأرض . وفسّره أكثر المفسّرين بالمبالغة في القتل .
وروي عن مجاهد . وهو تفسير بالسّبب لا بمدلول اللّفظ .
[ ثمّ ذكر قول الفخر الرّازيّ وأضاف : ]
أقول : إنّ من المجرّبات الّتي لا شكّ فيها أنّ الإثخان في قتل الأعداء في الحرب سبب من أسباب الإثخان في الأرض ، أي التّمكّن والقوّة وعظمة السّلطان فيها . وقد يحصل هذا الإثخان بدون ذلك أيضا ، يحصل بإعداد كلّ ما يستطاع من القوى الحربيّة ومرابطة الفرسان ، والاستعداد التّامّ للقتال الّذي يرهب الأعداء ، كما تقدّم في تفسير
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
الأنفال : 60 ، وما هو ببعيد . وقد يجتمع السّببان فيكمل بهما إثخان العزّة والسّلطان ، كما أنّ الإسراف في القتل قد يكون سببا لجمع كلمة الأعداء واستبسالهم .
وأمّا قوله تعالى في سورة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي تسمّى سورة القتال أيضا :
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
الآية ، فهو في إثخان القتلى الّذي يطلب في معركة القتال بعد الإثخان في الأرض . فإذا التقى الجيشان فالواجب علينا بذل الجهد في قتل الأعداء دون أخذهم أسرى ، لئلّا يفضي ذلك إلى ضعفنا ورجحانهم علينا ، إذا كان هذا القتل قبل أن نثخن في الأرض بالعزّة والقوّة الّتي ترهب أعداءنا ، حتّى إذا أثخنّاهم في المعركة جرحا وقتلا ، وتمّ لنا الرّجحان عليهم فعلا ، رجّحنا الأسر المعبّر عنه بشدّ الوثاق ، لأنّه يكون حينئذ من الرّحمة الاختياريّة ، وجعل الحرب ضرورة تقدّر بقدرها ، لا ضراوة بسفك الدّماء ، ولا تلذّذا بالقهر والانتقام .
ولذلك خيّرنا اللّه تعالى فيهم بين المنّ عليهم وإعتاقهم بفكّ وثاقهم وإطلاق حرّيّتهم ، وإمّا بفداء أسرانا عند قومهم ودولتهم إن كان لنا أسرى عندهم بمال نأخذه منهم . ولم يأذن في هذه الحال بقتلهم ، فقد وضع الشّدّة في موضعها والرّحمة في موضعها ، وإذا كان بيننا وبين دولة عهد يتضمّن اتّفاقا على الأسرى وجب الوفاء به ، وبطل التّخيير بينه وبين غيره . ( 10 : 83 )
المراغيّ : [ نحو رشيد رضا وأضاف : ]
وخلاصة ذلك أنّ اتّخاذ الأسرى إنّما يكون خيرا ورحمة ومصلحة للبشر إذا كان الظّهور والغلب لأهل الحقّ والعدل ، ففي المعركة الواحدة بإثخانهم لأعدائهم من المشركين والمعتدين ، وفي الحالة العامّة الّتي تعمّ كلّ