وهذا التّأويل الّذي ذكرناه عن مجاهد والحسن تأويل بعيد المعنى ، ممّا يدلّ عليه ظاهر التّلاوة ؛ وذلك أنّهم تأوّلوا قوله :
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
بمعنى : وتثبّتا ، فزعموا أنّ ذلك إنّما قيل كذلك ، لأنّ القوم كانوا يتثبّتون أين يضعون أموالهم .
ولو كان التّأويل كذلك لكان : وتثبّتا من أنفسهم ، لأنّ المصدر من الكلام إن كان على تفعّلت : التّفعّل ، فيقال : تكرّمت تكرّما ، وتكلّمت تكلّما ، وكما أن قال جلّ ثناؤه :
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ
النّحل : 47 ، من قول القائل : تخوّف فلان هذا الأمر تخوّفا ، فكذلك
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
لو كان من تثبيت القوم في وضع صدقاتهم مواضعها ، لكان الكلام : وتثبّتا من أنفسهم لا : وتثبيتا ، ولكن معنى ذلك ما قلنا : من أنّه وتثبيت من أنفس القوم إيّاهم بصحّة العزم ، واليقين بوعد اللّه تعالى ذكره .
فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول اللّه عزّ وجلّ :
وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
المزّمّل : 8 ، ولم يقل :
تبتّلا ؟
قيل : إنّ هذا مخالف لذلك ، وذلك أنّ هذا إنّما جاز أن يقال فيه : ( تبتيلا ) ، لظهور وتبتّل إليه ، فكان في ظهوره دلالة على متروك من الكلام الّذي منه قيل : ( تبتيلا ) وذلك أنّ المتروك هو تبتّل ، فيبتّلك اللّه إليه تبتيلا .
وقد تفعل العرب مثل ذلك أحيانا ، تخرج المصادر على غير ألفاظ الأفعال الّتي تقدّمتها ، إذا كانت الأفعال المتقدّمة تدلّ على ما أخرجت منه ، كما قال جلّ وعزّ :
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
نوح : 17 ، وقال :
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
آل عمران : 37 ، والنّبات : مصدر نبت ، وإنّما جاز لمجيء أنبت قبله ، فدلّ على المتروك الّذي منه قيل : ( نباتا ) ، والمعنى : واللّه أنبتكم ، فنبتّم من الأرض نباتا .
وليس قوله :
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
كلاما يجوز أن يكون متوهّما به أنّه معدول عن بنائه . ومعنى الكلام :
ويتثبّتون في وضع الصّدقات مواضعها ، فيصرف إلى المعاني الّتي صرف إليها قوله :
وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
المزّمّل : 8 ، وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأفعال الّتي هي ظاهرة قبلها .
وقال آخرون : معنى قوله :
تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ :
واحتسابا من أنفسهم . [ ونقل قول قتادة ثمّ قال : ]
وهذا القول أيضا بعيد المعنى من معنى التّثبيت ، لأنّ التّثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى الاحتساب إلّا أن يكون أراد مفسّره كذلك ، أنّ أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها ، فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام ، فليس الاحتساب بمعنى حينئذ للتّثبيت ، فيترجم عنه به . ( 3 : 69 )
الزّجّاج : أي ينفقونها مقرّين أنّها ممّا يثيب اللّه عليها . ( 1 : 347 )
نحوه النّحّاس . ( 1 : 291 )
الجبّائيّ : توطينا لنفوسهم على الثّبوت ، على طاعة اللّه . ( الطّوسيّ 2 : 338 )
الزّمخشريّ : وليثبّتوا منها ببذل المال الّذي هو شقيق الرّوح ، وبذله أشقّ شيء على النّفس على سائر العبادات الشّاقّة وعلى الإيمان ، لأنّ النّفس إذا ريضت