تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وهو المراد من قوله :
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
الصّفّ : 11 ، وهذا الوجه ذكره صاحب « الكشّاف » ، وهو كلام حسن وتفسير لطيف . ورابعها - وهو الّذي خطر ببالي وقت كتبة هذا الموضوع - : أنّ ثبات القلب لا يحصل إلّا بذكر اللّه ، على ما قال :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
الرّعد : 28 ، فمن أنفق ماله في سبيل اللّه لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التّجلّي ، إلّا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبوديّة . ولهذا السّبب حكى عن عليّ رضي اللّه عنه أنّه قال في إنفاقه :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
الدّهر : 9 ، ووصف إنفاق أبي بكر فقال :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى
الّيل : 19 - 21 ، فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبوديّة الحقّ ، لا لأجل غرض النّفس وطلب الحضّ ، فهناك اطمأنّ قلبه ، واستقرّت نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه ، ولهذا قال أوّلا في هذا الإنفاق : إنّه لطلب مرضاة اللّه ، ثمّ أتبع ذلك بقوله :
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
وخامسها : أنّه ثبت في العلوم العقليّة ، أنّ تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات . إذا عرفت هذا فنقول : إنّ من يواظب على الإنفاق مرّة بعد أخرى لابتغاء مرضاة اللّه ، حصل له من تلك المواظبة أمران : أحدهما : حصول هذا المعنى ، والثّاني : صيرورة هذا الابتغاء والطّلب ملكة مستقرّة في النّفس ، حتّى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتّفاق ، رجع القلب في الحال إلى جناب القدس ؛ وذلك بسبب أنّ تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للرّوح ، فإتيان العبد بالطّاعة للّه ، ولابتغاء مرضاة اللّه ، يفيد هذه الملكة المستقرّة ، الّتي وقع التّعبير عنها في القرآن بتثبيت النّفس ، وهو المراد أيضا بقوله :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
إبراهيم : 27 ، وعند حصول هذا التّثبيت تصير الرّوح في هذا العالم من جوهر الملائكة الرّوحانيّة والجواهر القدسيّة ، فصار العبد كما قاله بعض المحقّقين : غائبا حاضرا ، ظاعنا مقيما . وسادسها : قال الزّجّاج : المراد من التّثبيت : أنّهم ينفقونها جازمين بأنّ اللّه تعالى لا يضيع عملهم ، ولا يخيّب رجاءهم ، لأنّها مقرونة بالثّواب والعقاب والنّشور بخلاف المنافق ، فإنّه إذا أنفق عدّ ذلك الإنفاق ضائعا . لأنّه لا يؤمن بالثّواب ، فهذا الجزم هو المراد بالتّثبيت . وسابعها : قال الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أنّ المنفق يتثبّت في إعطاء الصّدقة فيضعها في أهل الصّلاح والعفاف . قال الحسن : كان الرّجل إذا همّ بصدقة تثبّت ، فإذا كان للّه أعطى ، وإن خالطه أمسك . قال الواحديّ : وإنّما جاز أن يكون التّثبيت ، بمعنى التّثبّت ، لأنّهم ثبّتوا أنفسهم في طلب المستحقّ ، وصرف المال في وجهه . ( 7 : 59 ) البروسويّ : أي جعل بعض أنفسهم ثابتا على الإيمان والطّاعة ، ليزول عنها رذيلة البخل وحبّ المال وإمساكه ، والامتناع عن إنفاقه ، فإنّ النّفس وإن كانت مجبولة على حبّ المال واستثقال الطّاعات البدنيّة إلّا أنّها ما عوّدتها تتعوّد . [ ثمّ استشهد بشعر ]