فمتى أهملتها فقد تمرّنت واعتادت الكسل والبطالة والبخل وإمساك المال عن صرفه إلى وجوه الطّاعات ومقتضيات الإيمان ، وحيث كلّفتها وحملتها على مشاقّ العبادات البدنيّة والماليّة تنقاد لك وتتزكّى عن عاداتها الجبلّيّة . ف ( من ) تبعيضيّة كما في قولهم : « هزّ من عطفه وحرّك من نشاطه » .
فإن قلت : كيف يكون المال بعضا من النّفس حتّى تكون الطّاعة ببذله طاعة لبعض النّفس وتثبيتا لها على الثّمرة الإيمانيّة .
قلت : إنّ النّفس لشدّة تعلّقها بالمال كأنّه بعض منها ، فالمال شقيق الرّوح فمن بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبّت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه فقد ثبّتها كلّها .
ويجوز أن يكون « التّثبيت » بمعنى جعل الشّيء صادقا محقّقا ثابتا ، والمعنى تصديقا للإسلام ناشئا من أصل أنفسهم وتحقيقا للجزاء ، فإنّ الانفاق أمارة أنّ الإسلام ناشئ من أصل النّفس وصميم القلب . ف ( من ) لابتداء الغاية ، كما في قوله :
حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ
البقرة : 109 ، ولعلّ تحقيق الجزاء عبارة عن الإيقان بأنّ العمل الصّالح ، ممّا يثيب اللّه ويجازي عليه أحسن الجزاء .
( 1 : 424 )
محمّد جواد مغنيّه : إنّه إشارة إلى أمرين : الأوّل :
أنّ المؤمنين يطلبون مرضاة اللّه من الإنفاق ، الثّاني : أنّ هذا الإنفاق كان بدافع من أنفسهم لا بدافع خارجيّ .
وقيل :
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
معناه أنّهم يجاهدون أنفسهم ويمرّنونها على الطّاعة بالبذل . وهذا المعنى يصحّ إذا كانت ( من ) هنا بمعنى اللّام . ( 1 : 416 )
الطّباطبائيّ : [ بعد الإشارة إلى أقوال المفسّرين قال : ]
ومن هنا يظهر أنّ المراد بابتغاء مرضاة اللّه أن لا يقصد بالعمل رئاء ونحوه ، ممّا يجعل النّيّة غير خالصة لوجه اللّه ، وبقوله :
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
تثبيت الإنسان نفسه على ما نواه من النّيّة الخالصة ، وهو تثبيت ناشئ من النّفس واقع على النّفس . فقوله : ( تثبيتا ) تمييز ، وكلمة ( من ) نشويّة ، وقوله : ( أنفسهم ) في معنى الفاعل ، وما في معنى المفعول مقدّر .
والتّقدير : تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم ، أو مفعول مطلق لفعل من مادّته . ( 2 : 391 )
وفيها بحوث لاحظ « ن ف ق » .
2 -
. . وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً .
النّساء : 66
السّدّيّ : أي تصديقا . ( 208 )
الطّوسيّ : وقيل : في معناه قولان :
أحدهما : أنّ البصيرة أثبت من اعتقاد الجهالة ، لما يعتري فيها من الحيرة واضطراب النّفس الّذي يتميّز من حال المعرفة بسكون النّفس إليه .
الثّاني : أنّ اتّباع الحقّ أثبت منفعة ، لأنّ الانتفاع بالباطل يضمحلّ بما يعقب من المضرّة وعظيم الحسرة .
فالأوّل لأجل البصيرة ، والثّاني لأجل دوام المنفعة . [ إلى أن قال : ]
فإنّ ذلك خير لهم وأشدّ تثبيتا لهم على الإيمان ، وفي الدّعاء « اللّهمّ ثبّتنا على ملّة رسولك » ومعناه اللّهمّ ألطف