[ إلى أن قال : ]
وهذا كلّه ضعيف . . . والتّيه : الذّهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم .
ويروى أنّ بني إسرائيل كانوا يرحلون باللّيل ويسيرون ليلهم أجمع ، في تحليق ونحوه من التّردّد وقلّة استقامة السّير ، حتّى إذا أصبحوا وجدوا جملتهم في الموضع الّذي كانوا فيه أوّل اللّيل .
قال مجاهد وغيره : كانوا يسيرون النّهار أحيانا واللّيل أحيانا ، فيمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا ، وذلك في مقدار ستّة فراسخ .
ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة وقلّة اجتماع الرّأي ، وإنّ اللّه تعالى رماهم بالاختلاف ، وعلموا أنّها قد حرّمت عليهم « أربعين سنة » . فتفرّقت منازلهم في ذلك الفحص وقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع على غير نظام واجتماع ، حتّى كملت هذه المدّة وأذن اللّه بخروجهم ، وهذا تيه ممكن محتمل على عرف البشر .
والآخر الّذي ذكر مجاهد إنّما هو خرق عادة وعجب من قدرة اللّه تعالى ، وفي ذلك التّيه ظلّل عليهم الغمام ، ورزقوا المنّ والسّلوى إلى غير ذلك ممّا روي من ملابسهم ، وقد مضى ذلك في سورة البقرة . ( 2 : 176 )
نحوه أبو حيّان . ( 3 : 458 )
الفخر الرّازيّ : اختلفوا في التّيه ، فقال الرّبيع :
مقدار ستّة فراسخ ، وقيل : تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا ، وقيل : ستّة في اثني عشر فرسخا ، وقيل : كانوا ستّمئة ألف فارس .
فإن قيل : كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصّغير من المفازة أربعين سنة ؛ بحيث لا يتّفق لأحد منهم أن يجد طريقا إلى الخروج عنها ، ولو أنّهم وضعوا أعينهم على حركة الشّمس أو الكواكب لخرجوا منها ، ولو كانوا في البحر العظيم ، فكيف في المفازة الصّغيرة ؟
قلنا : فيه وجهان :
الأوّل : أنّ انخراق العادات في زمان الأنبياء غير مستبعد ؛ إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطّعن في جميع المعجزات ، وإنّه باطل .
الثّاني : إذا فسّرنا ذلك التّحريم بتحريم التّعبّد فقد زال السّؤال ، لاحتمال أنّ اللّه تعالى حرّم عليهم الرّجوع إلى أوطانهم ، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقّة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم ، وعلى هذا التّقدير فقد زال الإشكال .
قال الحسن : كانوا يصبحون حيث أمسوا ، ويمسون حيث أصبحوا ، وكانت حركتهم في تلك المفازة على سبيل الاستدارة . وهذا مشكل فإنّهم إذا وضعوا أعينهم على مسير الشّمس ولم ينعطفوا ولم يرجعوا فإنّهم لا بدّ وأن يخرجوا عن المفازة ، بل الأولى حمل الكلام على تحريم التّعبّد على ما قرّرناه ، واللّه أعلم . ( 11 : 202 )
نحوه النّيسابوريّ ( 6 : 76 ) ، والخازن ( 2 : 28 ) .
البيضاويّ : أي يسيرون فيها متحيّرين لا يرون طريقا ، فيكون التّحريم مطلقا . وقد قيل : لم يدخل الأرض المقدّسة أحد ممّن قال : إنّا لن ندخلها بل هلكوا في التّيه ، وإنّما قاتل الجبابرة أولادهم . [ ثمّ أدام الكلام نحو ما تقدّم عن الزّمخشريّ ] ( 1 : 270 )
نحوه النّسفيّ . ( 1 : 279 )
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 233
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٢٣٣