تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
المنزلة على موسى الّتي كتبها ووضعها بجانب التّابوت بل كتبا كغيرهما بعده . وقد ظهر تأويل علم موسى في بني إسرائيل فإنّهم فسدوا وزاغوا بعده كما قال ، وأضاعوا التّوراة الّتي كتبها ثمّ كتبوا غيرها . ولا ندري عن أيّ شيء أخذوا ما كتبوه على أنّه فقد أيضا . وفي الفصل الرّابع والثّلاثين من أخبار الأيّام الثّاني : أنّ حلقيا الكاهن وجد سفر شريعة الرّبّ وسلّمه إلى شافان الكاتب ، فجاء به شافان إلى الملك . قال صاحب دائرة المعارف العربيّة : إنّهم ادّعوا أنّ هذا السّفر الّذي وجده حلقيا هو الّذي كتبه موسى ، ولا دليل لهم على ذلك ، على أنّهم أضاعوه أيضا ، ثمّ إنّ عزرا الكاهن الّذي هيّأ قلبه لطلب شريعة الرّبّ والعمل بها ، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء ، قد كتب لهم الشّريعة بأمر أرتحشستا ملك فارس الّذي أذن لهم - أي لبني إسرائيل - بالعودة إلى أورشليم . وقد أمر هذا الملك بأن تقام شريعتهم وشريعته كما في سفر عزرا - راجع الفصل السّابع منه - فجميع أسفار التّوراة الّتي عند أهل الكتاب قد كتبت بعد السّبي كما كتب غيرها من أسفار العهد العتيق ، ويدلّ على ذلك كثرة الألفاظ البابليّة فيها . وقد اعترف علماء اللّاهوت من النّصارى بفقد توراة موسى الّتي هي أصل دينهم وأساسه . قال صاحب كتاب « خلاصة الأدلّة السّنيّة على صدق أصول الدّيانة المسيحيّة » : والأمر مستحيل أن تبقى نسخة موسى الأصليّة في الوجود إلى الآن ، ولا نعلم ماذا كان من أمرها ، والمرجّح أنّها فقدت مع التّابوت لمّا خرب بختنّصّر الهيكل ، وربّما كان ذلك سبب حديث كان جاريا بين اليهود على أنّ الكتب المقدّسة فقدت وأنّ عزرا الكاتب الّذي كان نبيّا جمع النّسخ المتفرّقة من الكتب المقدّسة وأصلح غلطها ، وبذلك عادت إلى منزلتها الأصليّة ، انتهى بحروفه . ولقد نعلم أنّهم يجيبون من يسأل : من أين جمع عزرا تلك الكتب بعد فقدها وإنّما يجمع الموجود ، وعلى أيّ شيء اعتمد في إصلاح غلطها ؟ قائلين : إنّه كتب ما كتب بالإلهام فكان صوابا ، ولكن هذا الإلهام ممّا لا سبيل إلى إقامة البرهان عليه ، ولا هو ممّا يحتاج فيه إلى جمع ما في أيدي النّاس الّذين لاثقة بنقلهم ، ولو كتب عزرا بالإلهام الصّحيح لكتب شريعة موسى مجرّدة من الأخبار التّاريخيّة ، ومنها ذكر كتابته لها ووضعها في جانب التّابوت ، وذكر موته وعدم مجيء مثله ، وقد بيّن بعض علماء أوربّا أنّ أسفار التّوراة كتبت بأساليب مختلفة لا يمكن أن تكون كتابة واحد . وليس من غرضنا أن نطيل في ذلك وإنّما نقول : إنّ التّوراة الّتي يشهد لها القرآن هي ما أوحاه اللّه إلى موسى ليبلّغه قومه بالقول والكتاب ، وأمّا التّوراة الّتي عند القوم فهي كتب تاريخيّة مشتملة على كثير من تلك الشّريعة المنزلة ، لأنّ القرآن يقول في اليهود : إنّهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، كما يقول : إنّهم نسوا حظّا ممّا ذكّروا به ، ولأنّه يستحيل أن تنسى تلك الأمّة بعد فقد كتاب شريعتها جميع أحكامها . فما كتبه عزرا وغيره مشتمل على ما حفظ منها إلى عهده وعلى غيره من الأخبار ، وهذا كاف للاحتجاج على بني إسرائيل بإقامة التّوراة ، وللشّهادة
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 211 | مجمع البحوث الاسلامية