مشيرا بذلك إلى نتيجة التّوبة الّتي توفّرت فيها الشّروط المذكورة .
ثمّ يقول تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ . . .
وهو إشارة إلى من لا تقبل توبته .
وعلّة عدم قبول هذا النّوع من التّوبة واضحة ، لأنّ الإنسان عند الاحتضار في رحاب الموت تنكشف له الأستار ، فيرى ما لم يكن يراه من قبل ، فهو يرى بعد انكشاف الغطاء عن عينيه بعض الحقائق المتعلّقة بالعالم الآخر ، ويشاهد بعينيه نتائج أعماله الّتي ارتكبها في هذه الدّنيا ، وتتّخذ القضايا الّتي كان يسمع بها صفة محسوسة ، وفي هذه الحالة من الطّبيعيّ أن يندم كلّ مجرم على جرمه وأفعاله السّيّئة ويفرّ منها فرار الّذي يرى اقتراب ألسنة اللّهب من جسمه .
ومن المسلّم أنّ التّكليف الإلهيّ والاختيار الرّبّانيّ للبشر لا يقوم على أساس هذا النّوع من المشاهدات والمكاشفات ، بل يقوم على أساس الإيمان بالغيب ، والمشاهدة بعيني العقل والقلب .
ولهذا نقرأ في الكتاب العزيز : أنّ أبواب التّوبة كانت تغلق في وجه بعض الأقوام العاصية ، عند ظهور طلائع العذاب الدّنيويّ والنّقمة العاجلة ، وللمثال نقرأ قول اللّه سبحانه عن فرعون إذ يقول :
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
يونس : 90 ، 91 .
كما يستفاد من بعض الآيات القرآنيّة ، مثل الآية ( 12 ) من سورة السّجدة : أنّ العصاة يندمون عندما يشاهدون العذاب الإلهيّ في الآخرة ، ولكن لات حين مندم ، فلا فائدة لندمهم في ذلك الوقت ، إنّ هؤلاء أشبه ما يكونون بالمجرمين الّذين إذا شاهدوا أعواد المشنقة وأحسّوا بالحبل على رقابهم ندموا على جرائمهم وأفعالهم القبيحة ، فمن الواضح أنّ مثل هذه التّوبة وهذا النّدم لا يعدّ فضيلة ، ولا مفخرة ولا تكاملا ، ولهذا لا يكون لها أيّ تأثير .
على أنّ هذه الآية لا تنافي الرّوايات الّتي نصّت على إمكان قبول التّوبة حتّى عند اللّحظة الأخيرة من الحياة ، لأنّ المراد في هذه الرّوايات هي اللّحظات الّتي لم تظهر فيها بعد ملامح الموت وآثاره وطلائعه ، وبعبارة أخرى لم تحصل لدى الشّخص العين البرزخيّة الّتي يقف بها على حقائق العالم الآخر .
هذا عن الطّائفة الأولى الّذين لا تقبل توبتهم ، وهم من يتوبون عندما تظهر أمام عيونهم ملامح الموت ، وتبدو عليهم آثاره .
وأمّا الطّائفة الثّانية الّذين لا تقبل توبتهم ، فهم الّذين يموتون كفّارا ؛ إذ يقول سبحانه :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ .
ولقد ذكر اللّه سبحانه بهذه الحقيقة في آيات أخرى في القرآن الكريم .
وهنا ينطرح سؤال وهو : متى لا تقبل توبة الّذين يموتون كفّارا ؟
احتمل البعض أن لا تقبل توبتهم في العالم الآخر ، واحتمل آخرون أن يكون المراد من التّوبة - في هذا