باللّامبالاة والسّلبيّة والاستمرار في أجواء الضّياع .
وهكذا كانت التّوبة من أجل مساعدة الإنسان على مواجهة المعصية والخطأ . كحالة طارئة لتزول وتذهب وتذوب ، فلا تبقى في حياته كعقدة ، لتتجدّد له مشاعر الثّقة بإنسانيّته ، وبقدرته على ردّ التّحدّي ، وممارسة التّغيير ، والبدء من جديد . فلا يبقى أسير العقدة ، بل يقف أمام اللّه بكلّ حرّيّة الإرادة ، وإرادة التّغيير ، في ثياب بيضاء ، وقلب مفتوح للحقّ والخير ، والأمل الكبير بالمستقيل الأبيض الّذي يبدأ من جديد تماما ، كما لو لم يكن هناك أيّ ماض معقّد أسود ، لأنّ « التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له » ، فيخرج منه كما ولدته أمّه .
وإذا تاب اللّه على الإنسان ، وعاش مشاعر التّوبة ، وأحسّ باللّطف الإلهيّ يغمره بالمغفرة والرّضوان ، فإنّه يعيش الشّعور الملائكيّ الرّوحيّ في نفسه ، كما لو كان ملاكا يطير بجناحين ، من طهر ونقاء وفرح روحيّ كبير غامر ، فيتجدّد ويتحوّل إلى إنسان جديد ، يبدأ الحياة مع اللّه ، في انطلاقة عمر جديد .
وفي ضوء ذلك ، لن تكون التّوبة - كما يخيّل للبعض - وسيلة من وسائل تشجيع الإنسان على الامتداد في الخطأ والاستغراق في الجريمة ، لأنّه يجد في التّوبة طريقة للهروب كلّما أراد ذلك ، وهكذا حتّى تكون حياته كلّها جريمة وتراجعا . الأمر الّذي يجعل الشّخصيّة الإنسانيّة في مستوى الميوعة الرّوحيّة والأخلاقيّة ، باسم التّصحيح والتّراجع . وقد أوضحنا الموضوع - من خلال مفهومنا للآية - وقلنا : بأنّ التّوبة ليست حالة طارئة سريعة ، تتحرّك في نطاق الممارسة الشّكليّة ، بل هي موقف وعي للمبادئ وإرادة للتّغيير ، ومحاولة جادّة لتركيز الشّخصيّة على أساس متين ، ممّا يجعل من التّصوّر الإنسانيّ للمستقبل ، تصوّرا للموقف الجديد الثّابت الممتدّ في كلّ خطوات الزّمن . وهذا ما عبّر عنه الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام في دعاء التّوبة ، في الصّحيفة السّجّاديّة في مناجاته للّه :
« الّلهمّ أيّما عبد تاب إليك ، وهو في علم الغيب عندك فاسخ لتوبته وعائد في ذنبه وخطيئته فإنّي أعوذ به أن أكون كذلك ، فاجعل توبتي هذه توبة لا أحتاج بعدها إلى توبة موجبة ، لمحو ما سلف والسّلامة في ما بقي » .
ثمّ يؤكّد التّصميم على الثّبات على التّوبة - الموقف - فيعمل على الاستعانة باللّه على أن يمنحه القوّة للاستمرار على هذا الخطّ :
« اللّهمّ ولا وفاء لي بالتّوبة إلّا بعصمتك ، ولا استمساك بي عن الخطايا إلّا بقوّتك ، فقوّني بقوّة كافية ، وتولّني بعصمة مانعة » .
وهذا ما أثارته الآيتان الكريمتان في تحديدهما للتّوبة المقبولة وغير المقبولة واللّه العالم . ( 7 : 147 )
مكارم الشّيرازيّ : شرائط قبول التّوبة :
وفي هذه الآية يشير سبحانه إلى شرائط قبول التّوبة ، إذ يقول :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ .
وهنا يجب أن نرى ما ذا تعني « الجهالة » هل هي الجهل وعدم المعرفة بالمعصية ، أم هي عدم المعرفة بالآثار السّيّئة والعواقب المؤلمة للذّنوب والمعاصي ؟
إنّ كلمة « الجهل » وما يشتقّ منها وإن كانت لها معان