يعدها بلسان دلالته الالتزاميّة لطالبه .
فوعد صدق مثلا هو الوعد الّذي سيفي به واعده ، ويسرّ بالوفاء به موعوده ، ويحقّ أن يطمع فيه ويرجى وقوعه . فإن لم يكن كذلك فليس بوعد صدق بل وعد كذب ، كأنّه يكذب في معناه ولوازم معناه .
وعلى هذا فقوله :
مُبَوَّأَ صِدْقٍ
يدلّ على أنّ اللّه سبحانه بوّأهم مبوّأ يوجد فيه جميع ما يطلبه الإنسان من المسكن من مقاصد السّكنى ، كطيب الماء والهواء وبركات الأرض ووفور نعمها والاستقرار فيها وغير ذلك ، وهذه هي نواحي بيت المقدس والشّام الّتي أسكن اللّه بني إسرائيل فيها ، وسمّاها الأرض المقدّسة المباركة ، وقد قصّ القرآن دخولهم فيها .
وأمّا قول بعضهم : إنّ المراد بهذا المبوّأ « مصر » دخلها بنو إسرائيل واتّخذوا فيها بيوتا ، فأمر لم يذكره القرآن .
على أنّهم لو فرض دخولهم فيها ثانيا لم يستقرّوا فيها استقرارا مستمرّا ، وتسمية ما هذا شأنه ( مبوّا صدق ) ممّا لا يساعد عليه معنى اللّفظ . ( 10 : 120 )
لاحظ : ص د ق ( صدق ) .
تبوّءو
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ . . .
الحشر : 9
الطّبريّ : يقول : اتّخذوا المدينة - مدينة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم - فابتنوها منازل . ( 28 : 41 )
الشّريف الرّضيّ : قوله تعالى :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
وهذه استعارة ، لأنّ ( تبوّءوا الدّار ) هو استيطانها والتّمكّن فيها ، ولا يصحّ حمل ذلك على حقيقته في الإيمان ، فلا بدّ إذن من حمله على المجاز والاتّساع . فيكون المعنى أنّهم استقرّوا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان .
وهذا من صميم البلاغة ولباب الفصاحة ، وقد زاد اللّفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا ، ألا ترى كم بين قولنا : « استقرّوا في الإيمان » وبين قولنا : « تبوّأوا الإيمان » .
وأنا أقول أبدا : إنّ الألفاظ خدم للمعاني ، لأنّها تعمل في تحسين معارضها ، وتنميق مطالعها . ( 330 )
نحوه خليل ياسين . ( 20 : 250 )
الماورديّ : ويكون على التّقديم والتّأخير ، ومعناه تبوّأوا الدّار من قبلهم والإيمان .
الثّاني : أنّ الكلام على ظاهره ، ومعناه أنّهم تبوّءوا الدّار ومواساتهم بأموالهم ومساكنهم . ( 5 : 505 )
مثله ابن الجوزيّ . ( 8 : 212 )
الطّوسيّ : أي جعلوا ديارهم موضع مقامهم ، وآمنوا باللّه من قبلهم .
نزلت في الأنصار ، فإنّهم نزلوا المدينة قبل نزول المهاجرين . ( 9 : 565 )
البغويّ : وهم الأنصار ، ( تبوّءو الدّار ) توطّنوا الدّار - أي المدينة - اتّخذوها دار الهجرة والإيمان . ( 5 : 58 )
مثله الخازن . ( 7 : 52 )
الميبديّ : أي لزموا المدينة ودورهم بها ، ( والايمان ) منصوب بفعل مضمر ، يعني وقبلوا الإيمان وآثروه . وقيل : معناه لزموا المدينة ومواضع الإيمان .
وذكر النّقّاش : أنّ الإيمان اسم المدينة ، سمّاها