واعتقدوا الإيمان وأخلصوه ، لأنّ الإيمان ليس بمكان يتبوّأ ، كقوله تعالى :
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
يونس : 71 ، أي وادعوا شركاءكم ، ذكره أبو عليّ ، والزّمخشريّ وغيرهما ، ويكون من باب قوله :
* علفتها تبنا وماء باردا *
ويجوز حمله على حذف المضاف ، كأنّه قال : تبوّأوا الدّار ومواضع الإيمان .
ويجوز حمله على ما دلّ عليه ( تبوّأ ) ، كأنّه قال : لزموا الدّار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما .
ويجوز أن يكون تبوّأ الإيمان على طريق المثل ، كما تقول « تبوّأ من بني فلان الصّميم » والتّبوّؤ : التّمكّن والاستقرار . وليس يريد أنّ الأنصار آمنوا قبل المهاجرين ، بل أراد آمنوا قبل هجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم .
( 18 : 20 )
نحوه أبو السّعود . ( 6 : 227 )
أبو حيّان :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا . . .
معطوف على المهاجرين وهم الأنصار ، فيكون قد وقع بينهم الاشتراك فيما يقسّم من الأموال .
وقيل : هو مستأنف مرفوع بالابتداء ، والخبر ( يحبّون ) . أثنى اللّه تعالى بهذه الخصال الجليلة ، كما أثنى على المهاجرين بقوله :
يَبْتَغُونَ فَضْلًا
الحشر : 8 ، و ( الايمان ) معطوف على ( الدّار ) وهي المدينة .
والإيمان ليس مكانا فيتبوّأ ، فقيل : هو من عطف الجمل ، أي واعتقدوا الإيمان وأخلصوا فيه ، قاله أبو عليّ ، فيكون كقوله :
* علفتها تبنا وماء باردا *
أو يكون ضمّن ( تبوّءوا ) معنى لزموا ، واللّزوم قدر مشترك في الدّار والإيمان ، فيصحّ العطف .
أو لمّا كان الإيمان قد شملهم ، صار كالمكان الّذي يقيمون فيه . لكن يكون ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز .
[ ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ ، وابن عطيّة المتقدّمين ]
( 8 : 247 )
الشّربينيّ : أي جعلوا بغاية جهدهم ( الدّار ) أي الكاملة في الدّور الّتي جعلها اللّه تعالى في الأزل للهجرة ، وهيّأها للنّصرة ، وجعلها محلّ إقامتهم . وفي قوله تعالى :
( والايمان ) أوجه :
أحدها : أنّه ضمّن ( تبوّءو ) معنى لزموا ، فيصحّ عطف ( الايمان ) عليه ؛ إذ الإيمان لا يتبوّأ .
ثانيها : أنّه منصوب بمقدّر ، أي واعتقدوا أو وألفوا أو وأحبّوا أو وأخلصوا . [ ثمّ استشهد بشعر ]
ثالثها : أنّه يتجوّز في الإيمان ، فيجعل لاختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط بهم ، فكأنّهم نزلوه . وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة ، وفيه خلاف مشهور .
رابعها : أن يكون الأصل : دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التّعريف في ( الدّار ) مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه .
خامسها : أن يكون سمّي المدينة به ، لأنّها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان . قال هذين الوجهين الزّمخشريّ ، وليس فيه إلّا قيام « أل » مقام المضاف إليه .
وهو محلّ خلاف ، وهو أنّ « أل » هل تقوم مقام الضّمير المضاف إليه ؟