رشيد رضا : أي توطّنهم وتنزّلهم أماكن ومواضع في الشّعب من « أحد » لأجل القتال فيها . [ إلى أن قال : ]
وقيل : تبوئة المقاعد : تسويتها وتهيئتها . ( 4 : 108 )
نحوه حسنين محمّد مخلوف . ( 123 )
عزّة دروزة : تعدّ أو تهيّئ . ( 8 : 151 )
الطّباطبائيّ : والتّبوئة : تهيئة المكان للغير ، أو إسكانه أو إيطانه المكان . ( 4 : 5 )
بنت الشّاطئ : وسأل نافع عن قوله تعالى :
تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ،
فقال ابن عبّاس :
توطّن المؤمنين ، ولمّا سأله ابن الأزرق : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الأعشى :
وما بوّأ الرّحمان بيتك منزلا * بأجياد غزّى الفنا والمحرّم
الكلمة من آية آل عمران : ( 121 ) ، والخطاب فيها للرّسول عليه الصّلاة والسّلام
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
ومعها آيات :
في المهاجرين والمؤمنين :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
النّحل : 41 ،
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
العنكبوت : 58 ،
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
يونس : 93 ، والحجّ : 26 ، والأعراف : 74 .
كما جاء فعل « التّبوّء » في آيات :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ
يوسف : 56 ،
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
الزّمر : 74 ،
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
يونس : 87 ،
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
الحشر : 9 .
ومن الثّلاثيّ جاء الفعل ماضيا خمس مرّات ، ومضارعا « تبوء » تسعا وعشرين مرّة ، كلّها في المعنويّ ، من البوء برضوان اللّه ، أو بسخطه وغضبه ، والبوء بالإثم .
وتفسير ( تبوّئ ) في آية آل عمران ب « توطّن » يبدو قريبا ، وفي القرآن منه :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ
التّوبة : 25 .
وتذكر « المعاجم » في بوّأ : أنزل ، والاسم : البيئة ، وتبوّأ المكان : حلّه ، ومتبوّأ الولد : موضعه من رحم أمّه ، ويقال : باء إليه : رجع ، وبالذّنب : أقرّ ، واعترف به .
وذهب الرّاغب إلى أصل البواء : مساواة الأجزاء في المكان ، خلاف النّبوة . يقال : مكان بواء ، إذا لم يكن نابيا ، وبوّأت له مكانا : سوّيته فتبوّأ .
ويستعمل البواء في مكافأة - أي تكافؤ - المصاهرة والقصاص ، فيقال : فلان بواء فلان .
وعند ابن الأثير أنّ أصل البوء : اللّزوم ، ومنه الحديث : « فقد باء به أحدهما » أي التزمه ورجع به .
وفي حديث : « من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار » قال ابن الأثير : معناها لينزل منزله من النّار .
على أنّه ذكر فيه أيضا معنى المساواة ، في مثل :
ب « بوّأت بين القتلى » أي ساويت ، وهم بواء أي أكفاء .
ومنه الحديث : « الجراحات بواء » أي سواء في القصاص ، لا يؤخذ إلّا ما يساويها .
ونستأنس بهذا كلّه ، فنرى أنّ التّبوئة في آية آل عمران ليست توطين النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام للمؤمنين على إطلاقه ، وإنّما هي وضع كلّ منهم في مكانه