ليعقدوا مجتمعا إسلاميّا طيّبا لا يعبد فيه إلّا اللّه ، ولا يحكم فيه إلّا العدل والإحسان .
أو ليدخلوا في مجتمع هذا شأنه ، فلو رجوا في مهاجرهم غاية حسنة ، أو وعدوا بغاية حسنة ، كان ذلك هذا المجتمع الصّالح ، ولو حمدوا البلدة الّتي يهاجرون إليها لكان حمدهم للمجتمع الإسلاميّ المستقرّ فيها لا لمائها أو هوائها ، فالغاية الحسنة الّتي يعدهم اللّه في الدّنيا هي هذا المجتمع ، سواء أريد بالحسن البلدة أو الغاية .
( 12 : 254 )
2 -
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً . . .
العنكبوت : 58
الفرّاء : قرأها العوامّ :
( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ )
وحدّثني قيس عن أبي إسحاق أنّ ابن مسعود قرأها : ( لنثوينّهم ) وقرأها كذلك يحيى بن وثّاب . وكلّ حسن بوّأته منزلا وأثويته منزلا . ( 2 : 318 )
أبو عبيدة : مجازه لننزّلنّهم ، وهو من قولهم : « اللّهمّ بوّأنا مبوّأ صدق » . ( 2 : 117 )
ابن قتيبة : أي لننزّلنّهم . ومن قرأ : ( لنثوينّهم ) فهو من ثويت بالمكان ، أي أقمت به . ( 338 )
نحوه الزّجّاج . ( 4 : 173 )
الطّبريّ : لننزّلنّهم من الجنّة علاليّ .
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامّة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيّين
( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ )
بالباء ، وقرأته عامّة قرّاء الكوفة بالثّاء ( لنثوينّهم ) .
والصّواب من القول في ذلك عندي أنّهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار ، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القرّاء متقاربتا المعنى ، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب ؛ وذلك أنّ قوله :
( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ )
من بوّأته منزلا ، أي أنزلته ، وكذلك ( لنثوينّهم ) إنّما هو من أثويته مسكنا ، إذا أنزلته منزلا ، من الثّواء وهو المقام . ( 21 : 10 )
نحوه الماورديّ . ( 4 : 292 )
أبو زرعة : قرأ حمزة والكسائيّ : ( لنثوينّهم ) بالثّاء ، من أثويت ، أي لنقيمنّهم ، يقال : ثوى الرّجل بالمكان ، إذا أقام به ، وأثواه غيره ، إذا جعله بذلك المكان . وحجّتهما ،
وَما كُنْتَ ثاوِياً
القصص : 45 ، أي مقيما .
وقرأ الباقون :
( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ )
أي لننزّلنّهم ، من بوّأت .
تقول العرب : بوّأت فلانا منزلا ، أي أنزلته ، قال تعالى :
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
يونس : 93 .
وتقول : تبوّأ فلان المنزل ، وقال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
الحشر : 9 ، أي اتّخذوها .
قال الفرّاء : بوّأته منزلا وأثويته منزلا سواء . ( 544 )
الطّوسيّ : قرأ أهل الكوفة إلّا عاصما ( لنثوينّهم ) بالثّاء ، من أثويته منزلا ، أي جعلت له منزل مقام ، والثّواء : المقام . الباقون بالباء من قولهم : بوّأته منزلا . كما قال تعالى :
مُبَوَّأَ صِدْقٍ
في قوله :
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
يونس : 93 ،
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
الحجّ : 26 .
ويحتمل أن تكون اللّام زائدة ، كقوله :
رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ
النّمل : 72 ، ويحتمل أن يكون المراد ( بوّانا ) لدعاء إبراهيم ( مكان البيت ) ، ويقول القائل : اللّهمّ بوّأنا