الطّباطبائيّ : وقوله :
صُنْعَ اللَّهِ
مفعول مطلق لمقدّر ، أي صنعه صنعا .
وفي الجملة تلويح إلى أنّ هذا الصّنع والفعل منه تعالى تخريب للدّنيا وهدم للعالم ، لكنّه في الحقيقة تكميل لها وإتقان لنظامها ، لما يترتّب عليه من إنهاء كلّ شيء إلى غايته ، وإيصاله إلى وجهته الّتي هو مولّيها من سعادة أو شقاوة ، لأنّ ذلك صنع اللّه الّذي أتقن كلّ شيء ، فهو سبحانه لا يسلب الإتقان عمّا أتقنه ، ولا يسلّط الفساد على ما أصلحه ، ففي تخريب الدّنيا تعمير الآخرة .
( 15 : 401 )
محمّد حسين فضل اللّه :
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
في وجوده وحركته ، وذلك بما أودعه في داخله من القوانين الطّبيعيّة الّتي تنظّم حركة الوجود كلّه ، في جميع مفرداته وتفاصيله . وهذا ما يلاحظه العلماء في دراستهم للظّواهر الكونيّة ؛ حيث يرون النّظام الدّقيق يحكم كلّ واحد منها ، من دون أيّ انحراف ، أو ميل عن الوضع الطّبيعيّ المتقن . ( 17 : 250 )
مكارم الشّيرازيّ : التّعبير بالإتقان الّذي يعني الإحكام والتّنظيم ، يتناسب استقرار نظام العالم ، ولا يتناسب زمان انهياره وتلاشيه . ( 12 : 141 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة : التّقن ، وهو ما يرسب من الماء الخاثر المختلط بالطّين الرّقيق والحمأة ، يقال : تقنوا أرضهم وتقّنوها ، أي أرسلوا فيها الماء الخاثر لتجود ، وقد تتقّنت . وزرعنا في تقن أرض طيّبة أو خبيثة ، أي زرعنا في تربتها ، وهي التّقنة أيضا .
ثمّ استعمل التّقن في إحكام الشّيء وإجادته ، يقال :
أتقنت الشّيء إتقانا ، فأنا متقن ، والشّيء متقن ، وهو من قولهم : تقنوا أرضهم ، لأنّه معالجة وإصلاح كما مرّ ، وكذلك الإحكام . ويقال أيضا : رجل تقن وتقن وتقن ، أي متقن للأشياء ، حاذق بها .
والتّقن : الطّبع والسّجيّة ، يقال : الفصاحة من تقنه ، أي من طبعه وخلقه ، وهو من هذا الباب أيضا ، لأنّ السّجايا راسبة في باطن الإنسان كرسوب الطّين في قعر الماء الخاثر .
2 - والتّقنيّة : معرّب « تكنولوجيا » ، وهو لفظ يونانيّ الأصل ، ويعني الأساليب والطّرائق الّتي تختصّ بفنّ أو مهنة ، يقال : أدخلت التّقنيّة في ميدان الزّراعة ، ويستخدم الحلوانيّ التّقنيّة الحديثة في صناعة الحلوى .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
النّمل : 88
يلاحظ أوّلا : أنّ هذه الآية تتوسّط آيات ترتبط بيوم القيامة ، فقبلها :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ
النّمل : 87 ، وبعدها :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
النّمل : 89 ، 90 ، فيتبادر إلى الذّهن أنّها بيان