لا يُبْصِرُونَ .
فضمير الجمع نائب مفعول أوّل ، والمفعول الثّاني متروك بدلالة الحال الآتية ، أي كما هم أو على ما هم عليه ، كما في قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا
التّوبة :
16 ، على ما قدّره الزّمخشريّ فيه .
وقوله سبحانه :
أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا
بمعنى لأن يقولوا ، متعلّق ب ( يتركوا ) على أنّه غير مستقرّ ، وقوله تعالى :
وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
في موضع الحال من ضمير ( يتركوا ) .
ويجوز أن لا يعتبر كون المفعول الثّاني ل ( يتركوا ) متروكا بل تجعل هذه الجملة الحاليّة سادّة مسدّه ، ألا ترى أنّك لو قلت : علمت ضربي زيدا قائما ، صحّ ، على أنّ « ترك » ليس كأفعال القلوب في جميع الأحكام ، بل القياس أن يجوز الاكتفاء فيه بالحال من غير نظر إلى أنّه قائم مقام الثّاني ، لأنّ قولك : « تركته وهو جزر السّباع » كلام صحيح ، كما تقول : « أبقيته على هذه الحالة » وهو نظير سمعته يتحدّث ، في أنّه يتمّ بالحال بعده أو الوصف ، وهاهنا زاد أنّه يتمّ أيضا بما يجري مجرى الخبر .
وجوّز أن تكون هذه الجملة هي المفعول الثّاني لا سادّة مسدّه ، وتوسّط الواو بين المفعولين جائز . [ إلى أن قال : ]
ولعلّ الأبعد عن التّكلّف ما ذكرناه أوّلا ، والمراد إنكار حسبانهم أن يتركوا غير مفتونين ، بمجرّد أن يقولوا : ( امنّا ) واستبعاد له ، وتحقيق أنّه تعالى يمتحنهم بمشاقّ التّكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشّهوات ووظائف الطّاعات وفنون المصائب في الأنفس والأموال ، ليتميّز المخلص من المنافق والرّاسخ في الدّين من المتزلزل فيه ، فيعامل كلّ بما يقتضيه ، ويجازيهم سبحانه بحسب مراتب أعمالهم . فإنّ مجرّد الإيمان - وإن كان عن خلوص - لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في النّار . ( 20 : 133 )
ان تتركوا
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ .
التّوبة : 16
ابن عبّاس : أن تهملوا وأن لا تؤمروا بالجهاد .
( 154 )
نحوه البروسويّ ( 3 : 395 ) ، والآلوسيّ ( 10 : 63 ) .
ابن زيد : أبى أن يدعهم دون التّمحيص .
( الطّبريّ 10 : 92 )
الطّبريّ : أم حسبتم أيّها المسلمون أن يترككم اللّه بغير محنة يمتحنكم بها ، وبغير اختبار يختبركم به ، فيعرف الصّادق منكم في دينه من الكاذب فيه . ( 10 : 92 )
نحوه القرطبيّ ( 8 : 88 ) ، وعبد المنعم الجمّال ( 2 :
1201 ) ، وطه الدّرّة ( 5 : 321 ) .
القيسيّ : قوله تعالى :
أَنْ تُتْرَكُوا ،
( ان ) في موضع نصب ب ( حسب ) وتسدّ مسدّ المفعولين ل ( حسب ) عند سيبويه . وقال المبرّد : هي مفعول أوّل ، والمفعول الثّاني محذوف . ( 1 : 358 )
الطّوسيّ : معنى « التّرك » هو ضد ، ينافي الفعل