* فتركته جزر السّباع ينشنه *
ألا ترى أنّك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول :
تركهم غير مفتونين لقولهم : ( امنّا ) على تقدير حاصل ومستقرّ قبل اللّام . فإن قلت : ( ان يقولوا ) هو علّة تركهم غير مفتونين فكيف يصحّ أن يقع خبر مبتدإ ؟ قلت : كما تقول خروجه لمخافة الشّرّ وضربه للتّأديب ، وقد كان التّأديب والمخافة في قولك : خرجت مخافة الشّرّ وضربته تأديبا تعليلين ، وتقول أيضا : حسبت خروجه لمخافة الشّرّ وظننت ضربه للتّأديب فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبر . ( 3 : 195 )
ابن عطيّة : ( ان ) نصب ب ( حسب ) وهي والجملة الّتي بعدها تسدّ مسدّ مفعولي ( حسب ) . و ( ان ) الثّانية في موضع نصب على تقدير إسقاط حرف الخفض ، تقديره :
( بان يقولوا ) .
ويحتمل أن يقدّر ( لان يقولوا ) ، والمعنى في الباء واللّام مختلف ، وذلك أنّه في الباء كما تقول : تركت زيدا بحاله ، وهي في اللّام بمعنى من أجل أن حسبوا أنّ إيمانهم علّة للتّرك . ( 4 : 305 )
الطّبرسيّ : [ ذكر قول الزّجّاج ثمّ أضاف : ]
قال أبو عليّ : أمّا ما ذكره « 1 » من أنّه [ أن يقولوا ] نصب ب ( يتركوا ) فإنّه بيّن السّقوط ، لأنّ « ترك » فعل يتعدّى إلى مفعول واحد ، فإذا بني للمفعول لم يتعدّ إلى آخر ، ف ( ان يقولوا ) لا يتعلّق به ولا يتعدّى إليه حتّى يقدّر حرف ، ثمّ يقدّر الحذف فيصل الفعل .
وأمّا ما ذكره من انتصابه ب ( حسب ) فلا يخلو إذا قدّر انتصابه به من أن يكون مفعولا أوّلا أو ثانيا أو صفة أو بدلا ؛ فلا يكون مفعولا أوّلا لتعدّيه إلى المفعول الّذي قبله وهو « التّرك » ، ولا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا من وجهين : أحدهما : أنّ باب « ظننت وأخواته » إذا تعدّى إلى هذا الضّرب من المفعول لم يتعدّ إلى مفعول ثان ظاهر في اللّفظ ، والآخر : أنّ المفعول الثّاني هو الأوّل في المعنى ، وليس القول « التّرك » ولا يكون أيضا بدلا ، لأنّه ليس الأوّل ولا بعضه ولا مشتملا عليه ، ولا يكون أيضا صفة لأنّ ( أن ) الثّانية ل ( حسب ) وعمله فيها لا يخلو ممّا ذكرناه . فإذا لم يستقم حمله على شيء ممّا ذكرناه تبيّنت موضع إغفاله في المسألة .
وأقول وباللّه التّوفيق : إنّ « البدل » هنا صحيح ، فإنّه إذا قال : أحسبوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون ، وقوله :
وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
جملة في موضع الحال ، فكأنّه قال :
أحسبوا أن يدعوا الإيمان غير مختبرين ممتحنين بمشاقّ التّكليف ، فيكون التّقدير في معنى الآية : أحسبوا أن يتركوا ، أحسبوا أن يهملوا . ولا شكّ أنّ الإهمال في معنى التّرك ، فيكون الثّاني في معنى الأوّل بعينه .
وأمّا الوجه الأوّل فإنّك لو قدّرت « اللّام » فقلت :
لأن يقولوا : أو « الباء » فقلت : بأن يقولوا ، فلا شكّ أنّ الحرف يتعلّق ب ( يتركوا ) فإنّ الجار والمجرور في موضع نصب به . فتساهل الزّجّاج في العبارة عن المجرور بأنّه منصوب . ( 4 : 271 )
الفخر الرّازيّ : في التّفسير ، قوله :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا
يعني أظنّوا أنّهم يتركون بمجرّد قولهم :
آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ :
لا يبتلون بالفرائض البدنيّة
هامش
( 1 ) يعني الزّجّاج .