عليك أنّهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربّك ، وأنّك تترك بعض الوحي ويضيق به صدرك ، مخافة أن يقولوا ، أو لئلّا يقولوا . ( 5 : 523 )
الزّمخشريّ : أي لعلّك تترك أن تلقيه إليهم وتبلّغه إيّاهم ، مخافة ردّهم وتهاونهم به . ( 2 : 261 )
الفخر الرّازيّ : أجمع المسلمون على أنّه لا يجوز على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام أن يخون في الوحي والتّنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه ، لأنّ تجويزه يؤدّي إلى الشّكّ في كلّ الشّرائع والتّكاليف ، وذلك يقدح في النّبوّة . وأيضا فالمقصود من « الرّسالة » تبليغ تكاليف اللّه تعالى وأحكامه ، فإذا لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرّسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ
شيئا آخر ، سوى أنّه عليه السّلام فعل ذلك .
وللنّاس فيه وجوه :
الأوّل : لا يمتنع أن يكون في معلوم اللّه تعالى أنّه إنّما يترك التّقصير في أداء الوحي والتّنزيل ، لسبب يرد عليه من اللّه تعالى ، أمثال هذه التّهيّدات « 1 » البليغة .
الثّاني : أنّهم كانوا لا يعتقدون بالقرآن ويتهاونون به ، فكان يضيق صدر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، فهيّجه اللّه تعالى لأداء الرّسالة ، وطرح المبالاة بكلماتهم الفاسدة وترك الالتفات إلى استهزائهم . والغرض منه التّنبيه على أنّه إن أدّى ذلك الوحي وقع في سخريّتهم وسفاهتهم ، وإن لم يؤدّ ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي اللّه تعالى وفي إيقاع الخيانة فيه .
فإذا لا بدّ من تحمّل أحد الضّررين ، وتحمّل سفاهتهم أسهل من تحمّل إيقاع الخيانة في وحي اللّه تعالى .
والغرض من ذكر هذا الكلام التّنبيه على هذه الدّقيقة ، لأنّ الإنسان إذا علم أن كلّ واحد من طرفي الفعل والتّرك يشتمل على ضرر عظيم . ثمّ علم أنّ الضّرر في جانب التّرك أعظم وأقوى ، سهل عليه ذلك الفعل وخفّ ، فالمقصود من ذكر هذا الكلام ما ذكرناه .
فإن قيل : قوله : ( فلعلّك ) كلمة شكّ فما الفائدة فيها ؟
قلنا : المراد منه الزّجر ، والعرب تقول للرّجل إذا أرادوا إبعاده عن أمر : لعلّك تقدر أن تفعل كذا ، مع أنّه لا شكّ فيه ، ويقول لولده لو أمره : لعلّك تقصر فيما أمرتك به ، ويريد توكيد الأمر ، فمعناه لا تترك . ( 17 : 193 )
نحوه المراغيّ . ( 12 : 10 )
القرطبيّ : أي فلعلّك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتّكذيب تتوهّم أنّهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه .
وقيل : إنّهم لمّا قالوا :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ
همّ أن يدع سبّ آلهتهم فنزلت هذه الآية .
فالكلام معناه الاستفهام ، أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك ؟ وتأكّد عليه الأمر في الإبلاغ ، كقوله :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
المائدة : 67 .
وقيل : معنى الكلام النّفي مع استبعاد ، أي لا يكون منك ذلك ، بل تبلّغهم كلّ ما أنزل إليك ؛ وذلك أنّ مشركي مكّة قالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا
هامش
( 1 ) كذا والظّاهر : التّمهيدات .