لاتّبعناك ، فهمّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدع سبّ آلهتهم فنزلت .
( 9 : 12 )
البيضاويّ : تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك ، وهو ما يخالف رأي المشركين ، مخافة ردّهم واستهزائهم به ، ولا يلزم من توقّع الشّيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه ، لجواز أن يكون ما يصرف عنه ، وهو عصمة الرّسل من الخيانة في الوحي ، والتّقيّة في التّبليغ . ( 1 : 463 )
البروسويّ : ( لعلّ ) إمّا للتّرجّي ، ومعناه توقّع أمر مرجوّ لا وثوق بحصوله ، كقوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
البقرة : 189 ، وإمّا للإشفاق وهو توقّع أمر مخوف ، كقوله تعالى :
لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
الشّورى : 17 ، والرّجاء والإشفاق يتعلّقان بالمخاطبين دون اللّه سبحانه .
والمراد هنا : إمّا الأوّل فالمعنى لعظم ما يرد على قلبك من تخليطهم ، تتوهّم أنّهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من تبليغ ما أوحي إليك ، ولا يلزم من توقّع الشّيء وجود ما يدعو إليه ، ووقوعه لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرّسل عن الخيانة في الوحي ، والثّقة في التّبليغ هاهنا .
وإمّا الثّاني فالمعنى اشفق على نفسك أن تترك تبليغ ما يوحى إليك ، وهو ما يخالف رأي المشركين ، مخافة ردّهم له واستهزائهم . وهو أوجه من الأوّل ، كما في « بحر العلوم » للسّمرقنديّ . ( 4 : 105 )
الآلوسيّ : أي تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك ، وهو ما يخالف رأي المشركين ، مخافة ردّهم واستهزائهم به .
فاسم الفاعل للمستقبل ولذا عمل ، و ( لعلّ ) للتّرجّي وهو يقتضي التّوقّع ، ولا يلزم من توقّع الشّيء وقوعه ، ولا ترجّح وقوعه ، لجواز أن يوجد ما يمنع منه .
فلا يشكل بأنّ توقّع ترك التّبليغ منه صلّى اللّه عليه وآله ممّا لا يليق بمقام النّبوّة ، والمانع من ذلك فيه عليه الصّلاة والسّلام عصمته - كسائر الرّسل الكرام عليهم السّلام - عن كتم الوحي المأمور بتبليغه ، والخيانة فيه وتركه تقيّة .
والمقصود من ذلك تحريضه صلّى اللّه عليه وسلّم وتهييج داعيته لأداء الرّسالة ، ويقال نحو ذلك في كلّ توقّع نظير هذا التّوقّع .
وقيل : إنّ التّوقّع تارة يكون للمتكلّم وهو الأصل ، لأنّ المعاني الإنشائيّة قائمة به ، وتارة للمخاطب ، وأخرى لغيره ممّن له تعلّق وملابسة به .
ويحتمل أن يراد هنا هذا الأخير ، ويجعل التّوقّع للكفّار ، والمعنى أنّك بلغ بك الجهد في تبليغهم ما أوحي إليك أنّهم يتوقّعون منك ترك التّبليغ لبعضه .
وقيل : إنّ ( لعلّ ) هنا ليست للتّرجّي بل هي للتّبعيد ، وقد تستعمل لذلك ، كما تقول العرب : لعلّك تفعل كذا لمن لا يقدر عليه ، فالمعنى لا تترك .
وقيل : إنّها للاستفهام الإنكاريّ كما في الحديث :
« لعلّنا أعجلناك » . واختار السّمين وغيره كونها للتّرجّي بالنّسبة إلى المخاطب ، على ما علمت آنفا .
ولا يجوز أن يكون المعنى : كأنّي بك ستترك بعض ما أوحي إليك ممّا شقّ عليك بإذني ووحي منّي ، وهو أن يرخّص لك فيه كأمر الواحد بمقاومة عشرة ، إذ أمروا بمقاومة الواحد لاثنين وغير ذلك من التّخفيفات ، لأنّه وإن زال به الإشكال ، إلّا أنّ قوله تعالى بعد : ( ان يقولوا ) يأباه .