الإسلام وإمّا الجزية وإمّا المقاطعة في كلّ عام .
فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : قد قبلت ذلك منكما أما والّذي بعثني بالكرامة لو باهلتموني بمن تحت الكساء لأضرم اللّه عزّ وجلّ عليكم الوادي نارا تأجّج حتّى يساقها إلى من وراءكم في أسرع من طرفة العين فأحرقتهم تأجّجا .
فهبط عليه جبريل الرّوح الأمين عليه السّلام فقال :
يا محمّد ، اللّه يقرئك السّلام ويقول لك : وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لو باهلت بمن تحت الكساء أهل السّماوات وأهل الأرض لساقطت السّماء كسفا متهافتة ولتقطّعت الأرضون زبرا سائحة فلم تستقرّ عليها بعد ذلك ، فرفع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يديه حتّى رئي بياض إبطيه ، ثمّ قال : وعلى من ظلمكم حقّكم وبخسني الأجر الّذي افترضه اللّه فيكم عليهم بهلة اللّه تتابع إلى يوم القيامة .
( الاختصاص 112 )
ابن إسحاق : قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفد نصارى نجران ، ستّون راكبا ، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، في الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم : العاقب ، أمير القوم وذو رأيهم ، وصاحب مشورتهم ، والّذي لا يصدرون إلّا عن رأيه ، واسمه عبد المسيح ؛ والسّيّد ، ثمالهم « 1 » وصاحب رحلهم ومجتمعهم ، واسمه الأيهم ؛ وأبو حارثة بن علقمة ، أحد بني بكر بن وائل ، أسقفّهم وحبرهم وإمامهم ، وصاحب مدراسهم .
وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ، ودرس كتبهم ، حتّى حسن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الرّوم من النّصرانيّة قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه ، وبنوا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاد في دينهم .
فلمّا رجعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من نجران ، جلس أبو حارثة على بغلة له موجّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلى جنبه أخ له ، يقال له : كوز بن علقمة - قال ابن هشام :
ويقال : كرز - فعثرت بقلة أبي حارثة ، فقال كوز : تعس الأبعد ! يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست ! فقال : ولم يا أخي ؟ قال : واللّه إنّه للنّبيّ الّذي كنّا ننتظر . فقال له كوز : ما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ؟ قال :
ما صنع بنا هؤلاء القوم ، شرّفونا وموّلونا وأكرمونا ، وقد أبوا إلّا خلافه ، فلو فعلت نزعوا منّا كلّ ما ترى . فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة ، حتّى أسلم بعد ذلك ؛ فهو كان يحدّث عنه هذا الحديث فيما بلغني . . .
لمّا قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة فدخلوا عليه مسجده حين صلّى العصر ، عليهم ثياب الحبرات « 2 » ، جبب وأردية ، في جمال رجال بني الحارث بن كعب .
قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ :
ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم ، وقد حانت صلاتهم ، فقاموا في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلّون ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
دعوهم ؛ فصلّوا إلى المشرق .
فكانت تسمية الأربعة عشر ، الّذين يؤول إليهم أمرهم : العاقب ، وهو عبد المسيح ؛ والسّيّد ، وهو الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل ، وأوس ، والحارث ، وزيد ، وقيس ، ويزيد ، ونبيه ، وخويلد ،
هامش
( 1 ) ثمال القوم : هو أصلهم الّذي يقصدون إليه ، ويقوم بأمورهم وشؤونهم .
( 2 ) الحبرات : برودمن برود اليمن ؛ الواحدة : حبرة .